ملف التعريف
أرشيف أمواج
مواقع إلكترونية
- إتحاد المدونين الليبيين
- إذاعة المدونين المسموعة
- الجزيرة نت
- العربية نت
- المكتبة الليبية
- بي بي سي بالعربي
- صحيفة أويا
- صحيفة قورينا
- كل المدونات الليبية
- مرصد المدونات الليبية
- معاني الأسماء العربية
- مكتبة التراث الليبي
- موقع الأدباء الليبيين(بلد الطيوب)
- موقع الباحث العربي
- موقع الفيس بوك
- موقع الويكيبيديا للمعلومات
- موقع اليوتيوب

في الحقيقة لستُ من هواة المواضيع التي تتناول الجدل الأزلي بين الرجل والمرأة ، من هو الأكثر أهمية للمجتمع مثلاً ، أو من هو الأكثر احتياجاً للآخر ، وأسئلة من هذا القبيل أفضل ما يمكن أن نصفها به أنها مملة ومستهلكة وترفع الضغط . إن الذي شدّ انتباهي لهذا الموضوع ، ودفعني للكتابة عنه ؛ هو مقطع فيديو على اليوتيوب للكوميدي الأمريكي MARK GUNGOR ، وهو أيضاً قس وعراب حفلات زواج ، يتحدث فيها عن الفروقات التي يراها بين دماغ الرجل ودماغ المرأة بأسلوب نقدي ساخر، ولكنه في ذات الوقت مقنع ومدهش ، وسأحاول فيما يلي عرض ما تناوله مع شيء من التفصيل ، مع محاولة تطبيق ذلك على واقعنا المعاش .
يتكون دماغ الرجل من صناديق صغيرة ؛ فهناك صندوق لكل شيء : صندوق للسيارة مثلاً، وصندوق للمال ، وصندوق للأبناء ، وصندوق للزوجة ، وآخر لأمها موجود في مكان ما في " قبو" الدماغ ! . الصناديق هذه موجودة في كل مكان من الدماغ ، ولكنها منفصلة تماماً عن بعضها . عندما يناقش الرجل موضوعاً محدداً أو يفكر فيه ؛ فإنه يذهب إلى ذلك الصندوق بالتحديد والذي يحتوي ذلك الموضوع ، ويقوم بسحبه وفتحه ومن ثمّ مناقشة ما يحتويه فقط ، ثم يقوم بإرجاعه إلى مكانه بحذر شديد تفادياً لأن يلمس أي من الصناديق الأخرى . يعني ذلك أن الرجل لا يستطيع القيام إلا بشيء واحد فقط - أو الانشغال بشيء واحد فقط - في كل فترة زمنية محددة ، فعندما يقوم بعمله فإنه لا يكثرت لرنين الهاتف بجانبه ، وعندما يتفرج على "نانسي" أو "هيفاء" فإنه لا يهتم بصراخ زوجته وهي تنادي عليه أو بجرس البيت ، وإذا كان يشاهد فيلماً أمريكياً فإنه لا يهتم بسيجارته التي سقطت على البساط وأحرقته ! .
وفي الجانب المقابل ، فإن دماغ المرأة مكون من شبكة من الأسلاك ، حيث كل شيء متصل بعضه البعض وكأنه شبكة إنترنت خارقة ، وحيث كل شيء له علاقة أو يمكن أن يؤدي لأي شيء ، وهذا كله تغذيه طاقة من العواطف الجياشة ، وبذلك فإن المرأة قادرة على تذكر كل شيء ، لأنه أثر فيها بشكل أو بآخر ، كما أن ردة فعل المرأة دائماً ما تكون غير متوقعة . هذه الخاصية مكنت المرأة من القيام بعدة أعمال في وقت واحد ، فيمكنها مثلاً أن تقوم بتقشير البطاطا وهي تتفرج على مسلسل "باب الحارة" وفي نفس الوقت تقوم بترضيع طفلها والحديث مع سلفتها على الهاتف مع كل يحتويه ذلك الحديث من قرمة وتقطيع في الناس ! . وبما أنها لا تنسى إطلاقاً ؛ فعندما تأتي الزوجة لزوجها لتذكّره بشيء ما أو بوعد ما وعدها به ، فإنه ببساطة لا يتذكر؛ لا يتذكر لأن ذلك الوعد موجود في مكان ما في صندوق ما في دماغه ، وسيتطلب الأمر منه وقتاً طويلاً وجهداً خارقاً لإيجاد ذلك الصندوق واستخراجه ! .
وفي دماغ الرجل أيضاً هناك صندوق لا تعلم الزوجة بوجوده أو ربما لا تستطيع فهمه ، هذا الصندوق لا يحتوي على شيء إطلاقاً ولذلك يسمى صندوق "اللاشيء". وعلى الرغم من كل الصناديق التي يحتويها دماغ الرجل ؛ فإن صندوق اللاشيء هو الصندوق المفضل لديه ، لذلك نجد أن للرجل قدرة على قضاء ساعات طويلة في التفكير في اللاشيء أو عمل لاشيء ، أو الإنشغال بأشياء تظهره في صورة المصاب بسكتة دماغية ؛ مثل الصيد بالصنارة دون أن يكون هدفه الصيد فعلاً ، أو الجلوس أمام التلفاز وتقليب القنوات في بلاهة . وضعية اللاشيء هذه تصيب الزوجة بالجنون لأنها لا تفهمها ، ولأنها أيضا لا تستطيع التوقف عن التفكير ولو للحظة ، ولا يوجد شيء أكثر استفزازاً للمرأة من مشاهدة زوجها وهو يمر بحالة "اللاشيء". تحاول المرأة باستمرار ألاّ تترك زوجها وحيداً في صندوق "اللاشيء" ، ولكنه يقوم بطردها منه لسببين : أولهما أنها سوف تتحول لشيء في صندوق "اللاشيء" ، وثانيهما أنها ستفسد بثرثرتها حالة الهدوء والسكينة التي يرجوها الرجل بدخوله في حالة اللاشيء.وقد أثبتت دراسة لجامعة بنسيلفانيا أن الرجل قادر على التفكير في اللاشيء لمدة طويلة مع أنه مازال حياً يرزق ! .
وبناءً على ما تقدّم ؛ فإننا نرى اختلافاً جذرياً في تعامل الرجل والمرأة مع التوتر أو الضغط النفسي ؛ فبمجرد تعرض الرجل للضغط يقوم باللجوء مباشرة لصندوق " اللاشيء" ، فآخر شيء يريده الرجل في تلك الحالة هو الكلام . ولأن الزوجة لا تستطيع التوقف عن التفكير ، ولا تستطيع أن تترك زوجها في حاله يمارس طقوس اللاشيء تلك ؛ فإنها حتما ستأتيه وهو في تلك الحالة لتسأله ببساطة : "ما الذي تفكر فيه ؟" ، فيظل الرجلُ صامتاً ، وعندما تلحُ في السؤال يجيبها ببرود لا يخلو العصبية ونفاد صبر:" لا شيء" ، طبعاً هي ستتركه وشأنه إلى حين ، ولكن دماغها سيبدأ بالتفكير والغليان ، وستبدأ الشكوك في مهاجمتها ، فهي ببساطة لا تصدق بأنه لا يفكر في شيء ، بل لا تفهم أصلاً ما معنى أنه لا يفكر في شيء .
بالمقابل عندما تقع المرأة تحت الضغط فإنها لابد أن تتكلم ، لأنها لو لم تتكلم ؛ فإن دماغها "سينفجر"، لذلك فإن الكثير من الأزواج يفرون من زوجاتهم عندما يكن في تلك الحالة ، فالمرأة لاتريد مساعدة أو حلاً أو نقاشاً وهي في تلك الحالة ، بل تريد فقط من زوجها أن يجلس في هدوء ويصغي لثرثرتها .
يحتاج الرجل دائماً " للتفكير" الطويل والعميق في خطة محكمة لإقناع المرأة بشيء ما ، بينما تحتاج المرأة إلى "تكتيك" بسيط لإفساد خططه ! .

الكل يتحدث بصوتٍ عالٍ ولا أحد يسمع ، تخرج العبارات حادة عالية في جدال أزلي ممجوج : الدجاجة أصل البيضة... بل البيضة هي أصل الدجاجة . الزعيق هو سيد الموقف ، فالبقاء للأعلى صوتاً ، وللأكثر تحملاً للهرج والمرج ، غير أن الجدل قد لاينتهي نهاية محمودة ، بل قد يتطور إلى مرحلة أخطر تكون فيها الأسنان والأظافر "أصدق إنباءاً"، وأكثر حسماً وفاعلية.
قد لا يكون موضوع الخلاف مهماً كما هو ملاحظ ؛ ولكن من يستطيع أن يُخرس تلك الأصوات التي ترتفع في وتيرة محمومة أو يجادل بأنها قد تكون على خطأ ؟ ، بل من يتجرأ أصلاً على أن يطرح احتمالية الخطأ ؟.
"الاختلاف لا يفسد للود قضية "؛ عبارةٌ مبهمة يلوكها الدونكيخوتيون في الوطن العربي "الكبير" في محاولة لوضع بعض الألوان وبعض الترميم على جدار"الفصل" بين الأراء ؛ فالوطن العربي "الكبير" يضيق بأي رأي أو فكرة مختلفة عن السائد ، فيما يمكن أن نسميه Stereotyping .لا يا سادتي ؛ فالاختلاف عندنا يفسد كل الود، ويولّد الضغينة والحقد ، ويخلق لك عداوات مجانية تتسم بذاكرة طويـلة المدى . وهنا أتذكر مرة قال لي فيها الشاعر الأردني ( أمجد ناصر) أن كل كاتب عربي يتعرف عليه يعتبره رصيداً استراتيجيًا ومخزونًا مستقبليًا لعدو محتمل !.
للأسف الشديد لم نستطع أن ننزع عن أنفسنا النمط القبلي حتى فيما يتعلق بالفكر والثقافة ، حيث يتشبث كل واحد بــ"مرعىً" من الآراء والأفكار يقوم برعايته وتغذيته على أساس النظرة الأحادية ، فيعتبر ذلك المرعى ملكية مقدسة دونها الموت ، وكل من يتعدى على هذا "المرعى" بالاختلاف أو النقد يُعرض نفسه للقذف بأسلحة القذف الشامل ، حيث كل شيء وارد ومسموح بعيداً عن أدبيات الحوار وأخلاقيات الاختلاف .
حتى النقد الأدبي لم يسلم من ذلك ، فقد أصبح إما مع أو ضد ، ويعتمد بالكامل على نظرة الناقد في المؤلف/الكاتب ، وليس على رأيه التحليلي في الناتج/ الكتاب ، وهنا تكون العلاقة الشخصية والمصالح هي الدافع للكتابة النقدية ، ولقد رأينا كتباً كاملة تُؤلف عن دواوين ومؤلفات تافهة ، وذلك مقابل ثمن بخس دراهم معدودات. هل فعلاً صحيح القول أن مصطلح "ناقد" في العالم العربي منحوتة من كلمتي : ناقم + حاقد ؟!!.
لقد أصبح الــ Critical appraisal أو التقييم النقدي علماً قائماً بذاته في العالم الغربي حيث أصبحت الكتابة صناعة ضخمة تُصرف عليها الملايين ، وأصبحت الاحترافية في الكتابة أو الـ Professionalism هي مقياس النجاح ، وأصبح للنقد أدوات متطورة وفعالة ، فالنقد فعال وشديد لحد القسوة ، ولكنه في نفس الوقت يحافظ على احترافيته ونزاهته ، ويستند على أسس وقواعد علمية معترف بها ، ومتفق عليها ، للإرتقاء بسقف الحوار إلى أعلى المستويات ، وبذلك ينتهى كل حوار إلى المرحلة المرجوة منه ؛ ألا وهي مرحلة الفعل...مرحلة التغيير. إن برنامجاً حوارياً واحداً في قناة البي بي سي ، مثل برنامج HARDtalk ، يقدم للمشاهد بشكل محترف حلقات مستمرة تتناول قضايا ومواضيع مهمة ، ويستضيف شخصيات فاعلة يتم التحاور معها بشكل عميق ومفصل ، وتطرح فيه وجهات النظر بدون قيود أو محاذير ، ويبين لي – كمواطن عربي- مدى زيف وبدائية ما تقدمه لنا الفضائيات العربية على أنه برامج حوارية ، وفي الحقيقة أن كل شيء مُعد ومرسوم مسبقاً ليظهر في شكل مسرحية يعتقد مؤلفوها أنها مقنعة ، ولكن الحقيقة أنها مسرحية مكررة وفاشلة ، لهذا فقد فقدت هذه البرامج مصداقيتها وتأثيرها ، ربما لهذا أصبح بعضها يلجأ إلى التهويل والتضخيم والفرقعات الإعلامية لضمان استمرارها ، وهذا كله يأتي على حساب الحرفية والمصداقية .
وفي القرن الواحد والعشرين، عصر الانترنت ، انتقل الاختلاف على الطريقة العربية إلى بعد آخر مستغلاً الانتشار السريع والمتاح للمعلومة ، فقد أصبح يحمل نكهة الفضائحية والضرب تحت الحزام ، خصوصاً بعد أن أكتشف الكائن العربي اختراع الاسماء المستعارة التي أصبح يستخدمها الكثيرون من المرضى والموتورين لإطلاق الرصاص باتجاه أي كاتب يختلف معهم في معتقداتهم وقناعاتهم ، خصوصاً لو كانت كتاباته مبنية على حجج راسخة ، فتكون الاسماء المستعارة هي الحل السحري لمهاجمة الكاتب- الذي يعتبر خصماً في هذه الحالة- وإرهاقه ، وذلك عن طريق الانحدار بالخلاف إلى مستويات هابطة أخلاقياً وفكرياً دون تحمل أية مسؤولية أو تبعات ، ولقد اطلعنا على الكثير من المقالات المنشورة في مواقع الإنترنت ، والتي ترك فيها المعلقون "الأشباح" موضوع المقال أو التقرير؛ وتناولوا شخص الكاتب بالسب والنقد والتجريح ، بحيث أصبحت صفات الفساد الإخلاقي أو المالي ، أو العمالة والتخوين ، صفاتاً مجانية يتكرم "المستعارون" بمنحها لكل كاتب يختلف معهم في الرأي .
مازلنا- مع الأسف الشديد- لا نفرق بين الذاتي والموضوعي ، وبين الشخصي والعام ، ولا أعتقد أننا سنخرج من هذا النفق المعتم قريباً ، فلا شيء يبشر بذلك ، بل أن كل ما نراه لا يتعدى كونه مشاهد خادعة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً ، ولكن ليس من الصعب على الإنسان الواعي أن يكتشف بأن هناك- دائماً- شيئاً ما يُدبّر بليل ، وأن وراء الأكمة ما وراءها .
وفي النهاية ، فإن كل إنسان عربي يدفعه حظه العاثر للإصابة بداء الكتابة مطلوب منه أن يكون خبيراً في لوغاريثمات المصالح وتشابكها ، وفي بورصة التجاذبات السياسية ، وذلك بشكل يومي ، لكيلا يقع في المحظور، كما أن عليه أن يكتب ما يتماشى مع الجو العام ومع النمط السائد ، وله كل الحق بعد ذلك أن يجادل ويختلف ، ولكن بشكل مهذب وبصوت خافت ، وبذلك لا يفسد للود قضية .

إستراحة محارب !.. ولكن كيف يستريح المحارب والمعركة لم تضع أوزارها ، ولم ينقشع غبارها ، هو لم ينتصر فيقرع الأنخاب ، ولم ينهزم فيجر أذيال الخيبة ، بل هو منذ الأزل في منطقة الـ "بين بين" . الله كم يتمنى لهذه الحرب أن تنتهي ، ولكن شيئا ما بداخله يخيفه من ذلك ، فيشحذ همته وما تبقى من فتات عزيمة ليعود إلى الجبهة من جديد .
يحدث أحياناً أن يكون منهمكاً في خضم إحدى معاركه فيتذكر (ثربانتس) وروايته المجنونة (دون كيخوته) ، فيشعر بالقهر وباليأس من هذا الصراع الأبدي ، ولماذا اُختير هو بالذات دوناً عن العالمين ليقاتل الأشباح نيابة عن التائهين . أحياناً يشعر بأنه شخصية وهمية في لعبة (نتيندو) مملة يتسلى بها مجموعة من المراهقين الأشرار الذين أرهقوا الشيطان نفسه بألعابهم العدوانية ومزاحهم المفترس الضال . "اذهبوا الى الجحيم" يقول مخاطباً أعداءه الذين كانوا حتى وقت قريب أصدقاء مفخخين ، " اذهبوا إلى الجحيم...انتحروا او اختاروا أي موت رحيم يليق بجبنكم وخزيكم ...المهم ألا تموتوا إلا بعيدًا بعيدًا ، وألا تتركوا شواهد على قبوركم فلن يزورها إلا الغربان وكلاب الطريق".
الأفق تغطيه الأسلاك الشائكة ، والأرض مليئة بالخنادق ، ومن بعيد-أو ربما عميقاً في داخله- ترتفع أصوات انفجارات ، ولكن على الرغم من هذا الهرج ، وعلى الرغم من شراسة وعدوانية هذا العالم المتجمع حول لحظة مجنونة ؛ يجد المحارب فرصة لإشعال سيجارة هي كل ما يمكنه فعله ليشعر بمرور الوقت ، وبأنه لم يقع أسيراً لمشهد شيطاني عابث يكرره الأبد...إلى الأبد .
يتثاءب القدر بعد أن ملّ هذا المحارب "الزئبقي" ، ومعاركه "القعقعية" مع أشباح بدائية فرت من كوابيس طفل محروم من الشعور بالأمان ، وانقضّت عليه بدون أية مبررات واضحة ، ولكن كيف له أن يتوقع من أشباح أن تكون منطقية أو مؤدبة ، فهي في النهاية أشباح مهمتها إخافة الضعفاء والجبناء ، ولكنه حتماً ليس منهم ، أي الجبناء ، ربما يقبل أن يتحول إلى شبح أو غولة أو عفريت أو شيطان شيشة ؛ ولكنه لا يقبل أبداً بأن يوصف بالجبن ، أو على الأقل هذا ما يظنه في نفسه .
الترقب هو سيد الموقف غالباً مع حركة بندولية من الشد والجذب ، فالحركة مهمة جداً لاستمرارية المشهد حتى لو كان عبثياً . ليس مهماً نوع تلك الحركة أو قوتها أو اتجاهها ؛ فالمهم هو وجودها المجرد ليواصل المحارب لعبته ، فهي تعطي قيمة للمشهد ، والمشهد يعطيه شعوراً سادياً لذيذاً يكون فيه هو البطل الوحيد ، حيث يقوم بتصفية حساباته مع كائنات ماضوية بائسة ، وأشباح مهرجة حمقاء ارتضت أن تكون كومبارسات في معركة افتراضية مبتذلة .
تُرى هل ينتصر؟ ...هو نفسه لا يتمنى ذلك ، كما لا يتمنى الهزيمة ، بل يريد أن يبقى معلّقاً في المنتصف ، فمنذ أن فقد الشعور بالزمن أصبح الترقب بالنسبة له وسيلة للتعويض ، ومنذ أن فقد وعيه بالمكان صار هذا البرزخ براحاً لانهائياً يُشعره بالتحرر والانطلاق نحو المجهول ! ؛ المجهول الذي يخشاه أعداؤه فلا يلجونه إلا عبر لعبة (النتيندو) ، أو عبر كوابيس طفل محروم .

الصداقة لها ذاكرة ضعيفة مقارنة بالعداوة التي تتسم بذاكرة أبدية ، وهذا الكلام ينسحب على الحب والكره .
***********
العالم يتغير ويتطور ، وكذلك مجتمعنا ، فبعد مقولة " قل لي من رفاقك أقل لك من أنت " أصبحت نؤمن بمقولة " قل لي ما نوع سيارتك أقل لك من أنت " !.
***********
ولأن العالم يتطور ، فالعلاقات الإنسانية تتطور أيضاً ، فهي أيضاً دخلت عصر العولمة / الديجيتل : فالسلام الحار باليدين تحول- أو تطور- إلى سلام بالحواجب ، وجمل الترحيب الحميمية تطورت إلى " شج " ، واللهفة إلى اللقاء والحديث تطورت إلى رسالة مبسترة بالموبايل أو الإيميل . الله كم تستفزني وتغيظني الرسائل التي بدأ يتداولها الليبيون في الأعياد عبر هواتفهم النقالة ، والتي أصبحت تحتوي على جُمل وأبيات شعر خليجية ممجوجة ومكررة ، ولا تمتُّ لنا بصلة ، حيث يقوم شخص ما بنسخها من أحد المنتديات الخليجية ، ثم يقوم بإرسالها إلى عشرات من معارفه ، وكل واحد من هؤلاء العشرات يتكرم ويقوم بتمريرها إلى عشرات آخرين ...وهكذا إلى مالا نهاية . وفي نفس السياق ، فإن عدد المحلات التي تبيع الملابس الخليجية في طرابلس قد تكاثر بطريقة هستيرية تدعو للتوقف عندها وتحليل أسبابها .
**********
ومما يثير الاستغراب والدهشة أيضاً أن المواطن الليبي لا يتذكر أهمية الوقت إلا عندما يقف في "السيمافرو" ؛ فبمجرد أن يتغير الضوء من الأحمر إلى الأخضر تجد أن منبهات السيارات- وفي أقل من ثانية- قد ارتفعت في وقت واحد وكأن سائقي تلك السيارات يحملون الثلج ! . الحقيقة أن بعض السائقين الذين يؤمنون بالأمر الواقع ، وأن لكل أجل كتاب ، لا يقفون أصلاً في الإشارة الحمراء . وفي شهر رمضان يصبح هذا الأمر أكثر خطورة ، وخصوصاً في وقت الفطور ، فمن أجل "سبسي" أو " بوريكة سخونة " يمكن أن يفعل بعض السائقين المتهورين أشياءً أقل ما يمكن أن نصفها به أنها جنونية .
**********
أحياناً أتمنى أن تكون " ميزة إظهار رقم المتصل " في الهواتف النقالة لم تُخترع ولم تُوجد أصلاً ؛ فلقد أثبتنا أننا نستخدمها بشكل سيء جداً ، فقد أصبحت وسيلة للتهرب والتوزيع والتجاهل ، فمن منا لم يتعرض لموقف محرج قام فيه بالاتصال بشخص ما- ربما للسؤال عنه وعن أحواله- ، ولكن ذلك الشخص لم يرد عليه ، وعندما اتصل به مرة ثانية وجد الهاتف مقفلاً . هناك بالتأكيد من لديه عذر مقنع في عدم الرد ، ولكن هناك أيضاً اختراع إعادة الإتصال لاحقاً . يبدو أن بعض الناس يشعرون بالأهمية عندما يتجاهلون الآخرين فلا يكثرون لهم ولا يردون على مكالماتهم ، ولست في حاجة للقول بأنهم إما أن يكونوا مرضى أو " مصلحجية" ، وفي الحالتين يدعون للشفقة والرثاء .
***********
علينا أن نعترف بأننا نستخدم التكنولوجيا – في كثير من الأحيان- بشكل سيء جداً ، ومن ذلك أن التكنولوجيا قد أثرت بشكل سلبي على علاقاتنا الإجتماعية ، وعلى موروثنا الثقافي والأخلاقي الذي هو أساس إنسانيتنا .

أختار يوماً بارداً وغائماً لأمارس طقوسي الرمادية بكل ما يحمله هذا اللون من غموض هادئ ، وهدوء غامض ، فهل هناك أفضل من يوم شتائي تقترب فيه درجة الحرارة من التجمد ، يوم تغطيه السحب بلا أية ريح ؟ .
أركب القطار متجهاً من (لندن) إلى أقصى نقطة يمكن أن يصلها نهر (الثيمز) عند الزاوية الجنوبية الشرقية لإنجلترا حيث يصب في المحيط الأطلسي عند قرية (شوبرينس) . أقف على حافة الشاطئ ناظراً بكل انتشاء إلى هذا الرمادي اللانهائي أمامي ، فهنا يمارس الرماد سلطته المطلقة ، ويوزع على مريديه الغموض والهدوء والحكمة ، وهنا يتزاوج الأزل والأبد ، وهنا تمتزج الرؤيا بالرؤية . هنا يحضر أربعة يكلّلهم ويكبلّهم الرماد : السماء والبحر والنهر و....... أنا .
لعل الصور التي التقطتها هناك تعبر بعض الشيء عن ذلك :

ألفُ وجه ينتظرني ؛
ينتظرني كي أمرّ
لكنّني في غابة البلّوط أمضي قاصداً لُغتي، يحاصرني اخضرارُ العشب والأفكار. لامطرٌ يدلُّ عليّ .
غريبٌ هنا ، لكنّني في غابة الغرباء أبدو مقنعاً .
لا أرتدي وطناً ؛ بل أنتمي لله والكلمات ،
أمّا الرمالُ ففي دمي...(زُلْطُنْ)...
(زُلْطُنْ) ؛ وتعصفُ بي ريحٌ ، ويرتفعُ العجاجُ رفيقُ أغنيتي/بطاقتي الأولى/دليلُ عربدتي
لا أرتدي وطناً ؛ بل أقتدي بالرّيح والأصوات
- "إلى أين تمضي ياوَلَد ؟" يقولُ أبي .
- "إلى حيثُ ينفلقُ الغيابُ عن الجواب ،
إلى حيثُ لا عدوى بلا جدوى ! ".
وكأنّني في غابة البلّوط أسمعُ آخري يبكي عليّ ، لكنّني أمضي صعوداً-أو هبوطاً- دونما وجل . هل كان ذلك آخري ، أم أنني أهذي ؟ . ربما أهذي ؛ ولكن الحنين الدائري يعصفُ بي ، ويعصرني كمنشفة ! ...( مجموعة من البيوت أسفل هضبة رملية مزروعة بأشجار الزيتون والنخيل،ومليئة بزرائب الغنم والماعز/ طرقٌ رملية ضيقة / احمرار الشفق عند الغروب / صفاء السماء ليلاً مع نباح مئات من الكلاب/ صياح الديكة فجراً / الندى الذي يغطي الرمال في الصباح الباكر...)
- “Mind the gap please!”
هل كنتُ أمقتها؟...نعم ؛
لكنّني مذ أن دخلتُ لغابة البلوط أشمُّ تربتها ، وأشمُّ رائحة العجائز والبخور...
(صور/روائح/أسماء) هو كلُّ ماتحتاجه الذكرى لتعبثَ بي ، وتُقلقَ راحةَ الأموات .
لابد من وطن هنا . فهنا ممرٌّ لا يمرُّ على أحد
وهنا رمادٌ للأبد
وهنا نفق . نفقٌ يؤدّي إلى نفق . وأنا غريبٌ هاهنا ، لكنّني أيضاً غريبٌ في الهناك !
مشهدٌ جانبي :
( في محطة القطارات تحت الأرض يجلس وحيداً ، يحدّق في مئات الوجوه التي تحيط به ، يأتي قطارٌ، يقفُ للحظات ثم يذهب ، ثمّ يأتي قطارٌ آخر ، يقفُ قليلاً ويذهب ، يتبعه آخر..وآخر..وآخر ، أناسٌ من مختلف الألوان والأجناس يأتون..ينتظرون قليلاً..يصعدون القطار ويذهبون ، هو أيضاً جاء هنا لكي يذهب ، ربما عليه الانتظار قليلاً ؛ لكنّه حتماً سيذهب. هناك شيءٌ مشتركٌ بين الناس جميعاً : الإنتظار بين رحيلين ! ).
ألفُ صوت يعلو ويخفتُ عميقاً / مسبحة من الأسماء تنفرطُ رويداً رويداً / مئات من الصور أصبحت باهتة / غبارٌ يعلو الأمس / غبشٌ يحجبُ الغد / عنواين وأرقام هواتف كثيرة أصبحتْ تسقط من الذاكرة بالتقادم ! / ألفُ رحيل ورحيل ...ولكنّ الوادع واحد ! .
ألف وجهٍ ينتظرني؛
ينتظرني كي أمرّ
لكنّ لي وجهاً سيبدو ناشزاً في مشهد الترحيب
ربما تركَ الغياب بقيةً لم يفترسها،
لكنني حتماً سأبدو مترعاً :
بالآخرين العابرين الراحلين ،
بالغائبين الحاضرين/ الحاضرين الغائبين ،
بحكايتي . سأقولُ : ما سيكونُ كان
أو ربما ما كان يمكن أن يكون
هي لعبتي أو لعنتي
وهي الصعود المستمر/ الانحدار المستمر
أوديستي أو كذبتي
حُلْمٌ تجسّد في ممرّ
ألفُ وجهٍ ينتظرني...
...................
قد مررت فلم يروني
قد يروني فلا أمرّ

فاصمت وانتظرْ
هي غيمةٌ أخرى يودعها المكان
فتقرؤكَ المطر !
في زحمة الأنفاق تذكر "زحمة المرواح"
لا شيء مختلف هنا
مازلت تشعر بالجفاء
وأناك تشعر بالخطر
توزع الأيام مابين المقاهي والجرائد والصور
ما عاد في الفنجان شيء تقرؤه
ما عاد في الأخبار شيء تجهله
الله ... لو يفنى البشر!
محطة الانفاق... باص الطابقين
حمى التسوق... الازدحام
طوابير المحلات الشهيرة
خلفَ هذا المشهد العبثي حبٌ ينتحر
(عامان ما رفّ لي لحنٌ على وتر)ٍ
عامان شعري يحتضر
الكل يمضي تحت جُنحِ الصدِّ والنكران
الكل يرعبه الأثر !
(جسر لندن) ...
ألفُ جسرٍ، لكنْ النهر الوحيد سيستمرْ
هناك قد أبدو غريباً
وهنا وحيداً مغتربْ
الغربة/الخوف/الترقب/.....الـ
لا مفرَّ من التنسّك... لامفرّ
هنا عتمةُ.. ضوءٌ خفيٌ
حشرجات الصمت
والانفاس
وهنا فراغٌ أو ممرّ
لا شيء يفضي للحقيقة ،
نسميها كذلك كي نفرّ...
منها وعنها
أوربما منّا
أو ربما-لا ربما- أو لانفرّ !
الهاتف الخلوي ، الكمبيوتر
لوحة الأرقام ، شاشة العرض الكبيرة
حمى العالم الرقمي
ضغطة الزر اللعينة....
أهتف باكياً : " إن المشاعر تندثر"
(جريز إن رود)...(هولبورن)
(نايتس بريدج) ... (وايت تشابل)....(باركينج)
كل الأماكن- يا رفيقي- تفتقر...
للحب ، للألوان ، وللحرارة
البردُ طقسٌ أم قدر ؟
يقول لي : نهلك
وأقول : بل ننجو
يقول : سوف ننجو حين نهلك
وأقول : بل ننجو فقط
يقول : ما أدراك ؟
أقول : غريزتي... حدسي
وتاريخٌ مليءٌ بالهزائم
وذاكرةُ السقوط الدائري
ماذا سنفعل حين تلفظنا النجاة ؟
أقول : نعود ثانيةً
ونعيش دوماً في حذر !



