ملف التعريف
أرشيف أمواج
-
▼
2012
(22)
-
◄
أبريل
(15)
- طاقية العقيد القذافي-14
- طاقية العقيد القذافي-13
- طاقية العقيد القذافي-12
- طاقية العقيد القذافي -11
- طاقية العقيد القذافي-10
- طاقية العقيد القذافي-9
- طاقية العقيد القذافي-8
- طاقية العقيد القذافي-7
- طاقية العقيد القذافي-6
- طاقية العقيد القذافي-5
- طاقية العقيد القذافي-4
- طاقية العقيد القذافي-3
- طاقية العقيد القذافي-2
- طاقية العقيد القذافي-1
- في مديح الأربعطاش ونص
-
◄
أبريل
(15)
مواقع إلكترونية
- إتحاد المدونين الليبيين
- إذاعة المدونين المسموعة
- الجزيرة نت
- العربية نت
- المكتبة الليبية
- بي بي سي بالعربي
- صحيفة أويا
- صحيفة قورينا
- كل المدونات الليبية
- مرصد المدونات الليبية
- معاني الأسماء العربية
- مكتبة التراث الليبي
- موقع الأدباء الليبيين(بلد الطيوب)
- موقع الباحث العربي
- موقع الفيس بوك
- موقع الويكيبيديا للمعلومات
- موقع اليوتيوب
2012-05-09
22:26
حدثنا ابن زريق قال: قال البراء بن
يزيد كنا في دار الندوة، وكان كبار القوم من مجلس قريش الانتقالي حاضرين إلا طليحة
بن مخزوم الذي كان في معرض للإبل في اليمامة. كان الجمع يتضور جوعاً حتى كادت وجوه
بعضهم لتحاكي البسيسة، فنهض أبو جهل ونادى على ابنه جهل، وقال له : ثكلتك أمك يا
ولد، أفلا تركضن إلى مخدع إم جهل وتخبرها أن القوم يتضورون جوعاً. فقال جهل: أمي
وخالتي أم لهب وابنتها لهلوبة ذهبن للتسوق. فقال أبو جهل: اذاً
فلتدهب ولتحضر لنا بعضاً من لحم الضان ومجرفة وحطباً وورقاً سيلفراً لعلنا نصيب
بعضاً من أبي رديم يسد رمقناً وتصح به أبداننا. فقال جهل: ومن أين لنا بالولعة
لنوقد النار يا أبي، فرد أبوه: سيوقدها أبولهب فلا تثريب عليك. قال البراء: فما
كان من جهل سوى أن رجع بما أمر به، وما هي إلا لحظات حتي اتقدت النار، وارتفعت
عثابين الشواء، فما نكد نكمل أكلاً حتى يجلدنا أبوجهل بطرحة أخرى، وظللنا كذلك
نأكل الشواء ونحتسي الخمر ونلعب الميسر حتى كدنا نهلك، فلما أدركنا صباح اليوم
التالي، وعادت الجواري إلى مكاتب دار الندوة، ورأيننا وهذا حالنا، صرخت
إحداهن : خيااااااااااانة !!
2012-04-30
16:01
(بعد وصولهم إلى طرابلس، يغير أخو د.محمد رأيه، وبدل من أن يعطيهم بيته، يرسلهم إلى فندق صغير في وسط المدينة...)
الفندق قريب بشكل مدهش من الساحة الخضراء. يا إلهي، أقول لنفسي، كيف يمكن أن يكون هذا آمناً؟. الفندق يحمل الأسم الرنان لـ"الفصول الأربعة"، ولكن يبدو وكأنه يقترب من شتاء العمر. ليس للفندق أية مزايا، بسيط، وغير ملحوظ. بكلمات أخرى مثالي. مالكو الفندق مرحبون وعمليون. لقد كان أخ د.محمد على حق، فقد كانوا في انتظارنا، فرحين لإقامتنا لديهم، وقاموا بإنهاء إجراءات الإستقبال بشكل سلس جداً ، وها نحن قد انطلقنا بعيداً عن الأنظار، وبعيداً عن الإستقبال في أسرع وقت ممكن. أخذنا غرفتين، فمن أجل "خدعة" الفندق أنا و(مارتن) في غرفة، و(تيم) في الأخرى. ولكن في الحقيقة نتكدس جميعاً في غرفة واحدة، نحضر أدوات التحرير، ويقوم (مارتن) بتنزيل الصور من الكروت وبالتالي يصبح لدينا النسخة الكاملة الخاصة بنا لكل شيء على كمبيوتر محمول، قبل أن يتم أخذ الكروت ليتم "تغذيتها" للندن. يتطلب ذلك بعض الوقت.
بينما نحن ننتظر، نأخذ لحظة-أول لحظة لنا- للحديث باختصار عن الأيام الثلاثة السابقة. "اللعنة" أقول، "لقد إعتقدت بالفعل أننا كنا سنموت في المسجد". لقد كان الصوت مرتفعاً وقريباً جداً. هل كنت أنا الوحيدة؟ أنظر إلى كليهما. أعرف الإجابة ولكنني أريد أن أتحدث عن الأمر. أريدهم أن يتحدثوا معي عنه. الآن أستطيع أن أخبرهم كم كنت خائفة. "يا مسيح، نعم" يقول (مارتن) بتأثر. (تيم) يضع رأسه بين يديه مجدداً."لقد قلت وداعاً لأولادي" يقول. "لا أريد أن أتذكر ذلك". يهز رأسه وهو ينظر لنا.
أستمع لإعترافاتهم بارتياح كبير. إذاً لم أكن وحدي. هذا التعبير مختصر، مهم، ولكنه مختصر. هناك الكثير جداً لفعله الان. نحن ببساطة لا نريد أن نتحدث مطولاً عن فرارنا الكبير، بل نستمر فقط. لقد إحتجت لأن أعبر عنه. أنا مازلت أهذي به، مازلت "مخمورة عاطفياً" وارتعد خوفاً. لابد وأن الشباب كذلك. نحن أيضاً جائعون جداً وعطشى ، ومتلهفون لإنهاء ما نقوم به، وليكون جيداً، بل أكثر من جيد. نريده أن يكون أفضل تقرير نقوم به على الإطلاق. لابد أن يكون كذلك. نريد أن يكون له تأثير.
ساندويتش سريع، اغتسال، واتصال بالبيت لأقول أننا جميعاً بخير. حدث كل ذلك في لمح البصر وبدون تركيز. طاقتنا مركزة بالكامل علي القيام بهذا التقرير. تصلني رسالة نصية من (بيل نايلي) تقول :"أين أنتم؟ أين أنتم؟ هل أنتم في الساحة؟. نحن نبحث عنكم. لدينا سيارة". لا يبدو ذلك معقولاً. هو في الميدان؟ ماذا؟؟الزاوية؟؟؟، فأقوم بمهاتفته. يرد على الهاتف. لقد كان في الزاوية، ولكنه عاد إلى طرابلس مجدداً. لقد تأخرت رسالته وقت طويلاً. لا أستطيع أن أفهم كيف تمكن من الوصول هناك. نحن نعلم أن هناك قتال تجدد في الزاوية عندما كنا مغادرين. نعتقد أنا و(بيل) في أنه لابد وأن نكون قد تخالفنا بدقائق. لقد كان في المستشفى يسأل عنا، جاهزاً لأخذنا للمدينة. ولكن في ذلك الوقت لم يكن الأشخاص في المستشفى يدركون بعد أننا قد رحلنا. تمكن (بيل) من الدخول للزاوية، ولديه صورة مفزعة تظهر الدمار المتبقي بعد معركة كبيرة. بطريقة ما تمكن من القيام بذلك في لحظة هدوء نادرة جاءت في توقيت مثالي. حسناً، سأقول محظوظ لو لم يكن صحفي من الدرجة الأولى مثل (بيل) ومتحمس ليكون وسط المعمعة.
يحذرنا (بيل) من من الإقتراب من ريكسوس، ويعرض علينا أن استخدام الصحن الفضائي التابع لـ(آي تي إن)، إذا قررنا أن نتفادى مكتب سكاي بشكل كامل، وبالتالي نتمكن من إيصال المشاهد الأولية إلي لندن. هذه حركة استثنائية من منافس، ولكن (بيل) أيضاً يؤمن بضرورة أن تذاع قصتنا. لم يعد ذلك بخصوص شبكات متنافسة، بل هو بخصوص حقوق الإنسان.
نحن جميعاً لسنا في أمان بعد، ونحن نعلم ذلك. نحن لا نخرج من الغرفة، وهناك نقاش طويل حول ما يجب على (تيم) القيام به. هو يعتقد أنه الأقل إحتمالاً بيننا لأن يتم ملاحظته. فهو كمنتج؛ سيكون معروفاً فقط لمن هم داخل هذه المهنة. و بما أننا وصلنا إلى طرابلس ذلك الصباح، وانتهى بنا المطاف إلى الزاوية؛ فـ(تيم) غير معروف لأي من مرافقي النظام. لذلك ينطلق لمقابلة (ريتشارد سبنسر) في كورينثيا.
ننطلق أنا و(تيم) للقيام بالتحرير. أنا مشدوهة من بعض الصور التي أخذها (مارتن). هي صور مثيرة للعواطف، تسجل الفوضى والخوف و اليأس بشكل مثالي. نريد أن يشعر الناس بذلك. إذا لم يشعروا بأي شيء؛ فكيف لأي أحد أن يهتم بأمر أهل الزاوية؟.
أخيراً أنهينا تحرير تقرير يظهر ما حدث عندما وصلنا للزاوية أول مرة، ويستمر حتي نصل إلي يوم الأحد، بما يساوي 15 دقيقة من المادة المصورة في المجمل. لكن مازلنا لا نشعر أنها تظهر ما حدث بشكل كامل. هناك الكثير مما لا نستطيع إظهاره لأنه دموي جداً، وغير مستساغ على الإطلاق. غير أنه في قناة إخبارية؛ فإن 15 دقيقة هي وقت طويل جداً ليكرس لقصة واحدة. نتمنى أن تقنعهم الصور بأنها تستحق ذلك.
يقوم (تيم) بمقابلة (ريتشارد سبنسر)، وبالتالي فإن "القطرة الأولى" وصلت إلى ريكسوس-و الصحن الفضائي لقناة سكاي. يتم توصيل الصور للندن. أوففففف! عنصر آخر نزع من القائمة.
لقد أنهينا التحرير، ولكن الوقت متأخر، وبحلول هذا الوقت نحن نجثو على ركبنا من الإرهاق. لقد قام (تيم) بنفسه بزيارة سريعة لريكسوس ليستطلع الوضع هناك، وبالتالي لا يضايق (ريتشارد) بالتوصيلة القادمة للـ(15دقيقة) التي قمنا بتحريرها. لم يقم أحد حتى بالنظر لـ(تيم) عندما دخل تيم إلى داخل ريكسوس، ولكن بصراحة كان ذلك من الحديقة الخلفية. لقد قرر أن يوصل النسخة المحررة إلى هناك بنفسه. سوف يبيت الليلة هناك، ثم يأتي ليقلنا نحن في الصباح، حيث سنذهب للمطار مع بعض.
2012-04-28
17:09
هناك الآن سيارات تلوح بأعلام القذافي الخضراء من كل النوافذ تقريباً، وجميعها متجهة نحو طرابلس. إذاً لابد وأن هناك نوعاً من المظاهرات قائم الآن. من هذه اللحظة تزداد الطريق إزدحاماً. الطريق مزدحم، ولكننا نسير فيه بشكل جيد. عندما نقترب من طرابلس نلاحظ عودة الإشارة لهواتفنا المحمولة. تعود هواتفنا للحياة. قلقي الرئيسي هو كيف سنوصل الصور للخارج، وأين سنذهب. لابد من الذهاب لمنزل آمن. لا أريد الذهاب إلى ريكسوس. أشعر بالقلق والتوتر بشأن ما سيحدث لكروتنا ولنا. لا أريد أن أفسد كل شيء بالذهاب إلى مكان جميعاً متأكد من أن أتباع النظام يجوسون فيه.
د.محمد يقول أن لديه أخ سيقابلنا. أخوه لديه منزل فارغ في طرابلس بإمكاننا استخدامه. يبدو ذلك رائعاً. البيت فيه كهرباء، وبالتالي يمكننا إعادة شحن أجهزتنا كلها، وأن نقوم بتحرير الصور، ومن ثم نفكر في كيفية أخراج أنفسنا من ليبيا في أسرع وقت ممكن.

(تيم) على الهاتف بالفعل يخبر محررة الشؤون الأجنبية (سارة وايت هيد)-وهي أيضاً رئيسة الأخبار العالمية في سكاي- أننا خارج الزاوية. هي قلقة بالتحديد بخصوص إيصال الأفلام الأصلية إلى لندن، وذلك لكي يحصلوا على نسخة من كل شيء صورناه قبل أن نقوم بتحريره. هي لا تريد المغامرة باحتمال اعتقالنا ومصادرة أفلامنا، وبالتالي تختفي للأبد. الصور هي دليلنا. هي الدليل الأول. وحتى هذه اللحظة هي الدليل الوحيد المستقل لقسوة القذافي ضد لشعبه غير المسلح.
سارة قلقة أيضاً بشكل كبير بشأن إخراجنا سالمين من ليبيا، في الحقيقة هي قلقة أكثر من ذلك بهذا الخصوص، ولكنا تركيزنا الآن منصب على التقرير. نحن جميعاً ملتزمون بنشر الصور-عمل تقرير. أسمح لنفسي بالتفكير-ياإلهي لقد فعلناها. لقد تمكنا في الحقيقة من الخروج من هناك أحياء سالمين. ولكن علينا الآن أن نجعل ذلك يؤتي ثماره. . أشعر بمسؤوليتنا، بواجبنا، لضمان أن نشارك مارأيناه-وما كنا شهوداً عليه-مع بقية العالم على قدر الإمكان. أريد أن أصنع الفارق. أريد أن أغير الأشياء. أريد أن ينهض العالم ويلتفت لما يحدث لسكان الزاوية.
(مارتن) و(تيم) يشعران بالمثل. كلاهما صحفي متحمس ولديه حس حقيقي بالصواب والخطأ. كلاهما شخص مستقل برأيه، واثق في نفسه دون استعراض، متماسك يمكن الاعتماد عليه، وليس متباهياً ابداً، فذلك ببساطة ليس من طبيعتهما.
(سارة) لم تشاهد الصور بعد، ولكن لديها فكرة بسيطة عنها بناءً على تقاريري الهاتفية، وبناءً على محادثاتها مع (تيم) بشأن التوقعات. غير أني متأكدة من أن جزء منها، جزء من (جون رايلي)، وربما جزء من محرري الأخبار الذين نعمل معهم كل يوم؛ كان يستاءل ما إذا كنا نبالغ. بالطبع ذلك سيكون جزء من الطبيعة البشرية. لكن (سارة) تدرك أننا قد مررنا بعدة أيام مؤلمة، ولديها ما يكفي من التجربة لتعلم تأثير ذلك. هي تعلم أنها الآن تتعامل مع ثلاثة زملاء واقعين تحت ضغط نفسي، ومرهقين بما يفوق الوصف، وربما متأثرين عاطفياً.
تريد سارة منا أن نوصل الكروت إلى لورنا وارد، المنتجة، في فندق ريكسوس، حيث لدى فريق سكاي صحن فضائي. هذا سيجعل من السهل "تغذية" الصور عن طريق الصحن، غير أنني مترددة جداً لفعل هذا لأنني أشعر أن المكان الذي ستكون فيه عيون النظام متيقظة هو مكتب سكاي في ريكسوس. أنا لا أعلم مدى قرب المرافقين من الصحفيين حتى لو قمت بالاتصال بهم دون أن يتم إكتشافي. بدلاً عن ذلك أتصل هاتفياً بـ(ريتشارد سبنسر) من صحيفة (ديلي تليغراف) لأنني أعلم أنه موجود في الفندق الآخر، كورينثيا. أعتقد أنه ربما يكون مستقلاً أكثر عن المرافقين، كما أنه ليس لديه إتصال بفريق سكاي. وعلى الرغم من أنه لا يعرفني إطلاقاً حتى الآن؛ إلا أنه مباشرة يبدي قلقاً، ويقول مباشرة:" هل أنت بخير؟ هل يعلم فريقك أنك بخير؟، فأقول نعم، غير أنني قلقة بشأن حراس الأمن في ريكسوس، وبخصوص أن يتم رؤيتنا. "إنهم يبحثون عنكم" يقول ريتشارد، "هم يعلمون أنكم كنتم هناك ٠في الزاوية، ولاأنصح بالذهاب لريكسوس. أعتقد أنه ربما يكون من الأفضل لو تذهبون إلى كورينثيا". نناقش ذلك بينما نحاول أن نجد مكاناً للقاء في شارع خلفي بعيداً عن الزحمة لكي نتمكن من التواصل مع أخي د.محمد. يستمر ذلك إلى ما يشبه الأبد. يبدو أن هناك الكثير من الناس في الجوار. ولكن في النهاية نجد شارعاً جانبياً خالياً-مغبراً ومليئاً بالحفر- لنلتقي به. بمجيء هذه اللحظة كان الطبيب قد أعاد التفكير بخصوص إعارة بيته، وأدرك أن البيت سوف يكون من الممكن ربطه به. فلو رآنا أحد من جيرانه أو أي أحد-نحن الأجانب الثلاثة- ندخل إليه أو نخرج منه؛ فإن حياته ستكون في خطر، وكذلك حياة عائلته بأكملها. حسناً حسناً نقول ، وقلوبنا تسقط من الخوف. ذلك ليس مناسباً إطلاقاً بالنسبة لنا. ما الذي سنفعله الآن؟. ولكننا-بالطبع- نبتسم ونخبره ألا يقلق. ماهو الخيار الذي نملكه؟. نحن نعلم أنه على حق. هؤلاء البشر، وهذا النظام، سيقومون بأخذه هو وعائلته لو أكتشفوا ذلك. نحن لن نخبر عنه إطلاقاً، ولكن هناك إحتمال أن تتم رؤيتنا مهما اجتهدنا في محاولة أن نكون غير مرئيين.
غير أن لدى الطبيب خطة جاهزة بالفعل. يقوم بأخذنا لفندق صغير حيث يمكننا أن ندفع نقداً، وحيث لن يكون هناك أسئلة حولنا. "سيكون كل شيء على مايرام" يقول لنا. الخطة هي أن نظهر أنا و(مارتن) بمظهر الزوجين، بينما يكون (تيم) هو مرافقنا في الرحلة. يبدو ذلك مخاطرة، ولكنه أفضل ما لدينا الان، فننطلق إلى هناك.
2012-04-25
12:51
هناك بعض الشباب عند الناصية. "إسألهم" أقترح وأنا أشير بأصبعي. أبدو محتدة ربما ذلك لأني كذللك، غير أنني أستطيع رؤية إربعة أو خمسة شباب عند الناصية يختلسون النظر عبر الطريق الذي نقصده. الطريق أمامنا غير آمن، لكن د.محمد يأخذنا إليه.
(تيم) يطلبن مني أن أترك د.محمد يقود، وألا أكون متسلطة، وأن أستمع له. في ظروف أخرى، كنت سأكون من يقود. إنه على حق بالطبع. هذا الرجل يخاطر بحياته من أجلنا، ولا يستحق أن أصيح عليه أنا أو غيري. غير أن كل واحد منا أعصابه مشدودة بشكل لا يصدق. نحن لم نكد نغادر المستشفى حتى ذهبنا مباشرة إلي مكان إطلاق نار. يا مسيح !. إنها أول مرة منذ أن إلتقينا في تونس يكون بيننا خلاف أو كلمات متوترة، ولكنها أيضاً المرة الأخيرة. أقوم بكبح تسلطي (على الأقل لفترة وجيزة). د.محمد يقوم باستخدام المكابح ويوقف السيارة مباشرة، ثم يتحدث للأولاد في الناصية. نعم، هناك قناصة أمامكم. يقوم د. محمد بتغيير الإتجاه ثم ينطلق في شارع جانبي. إقوم بلبس الوشاح- الملفوف على عنقي- على رأسي لتغطية شعري. يخبرني د.محمد بأنني لا أحتاج لذلك. "لا لا، أنا أريد ذلك" أقول له. أشعر بأمان أكثر هكذا، لا أدري لماذا، ولكنني لا أريد جذب الأنظار عندما يرى الجنود إمرأة غربية في المقدمة. إذا كان أول ما يلمحونه في سيارتنا هو طبيب وأخته-(حسناً، من؟ هل أمزح؟)- أو الأقرب إحتمالاً أمه أو إحدى قريباته؛ فربما يوفر علينا ذلك بعض الوقت؛ كتخمين ليس إلا.
نقوم بقطع طريقنا بشكل بطيء ملتفين عبر شوارع خلفية، واضعين في إعتبارنا إحتمالية أن نلف حول ناصية ما فنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام دبابة أو أمام ثوار متوترين. نحن لا نريد أن نستفز أي أحد من الطرفين.
نقطة التفتيش الأولي تقع تحت مجموعة أشجار. هي مظللة ومعتمة وتبدو عاجة بالحركة. هناك آليات عسكرية. يأتيني إنطباع بأن هناك الكثير من الأشخاص، ولكنني أحاول ألا أنظر طويلاً، أنظر إلي حجري محاولة ألا أبدو خائفة، وأن أبدو صغيرة الحجم.
نقطة التفتيش يحرسها جنود القذافي الذين يبدون قذرين، وخائفين، وينزون بالعرق مثلنا. جندي الحراسة يبدو فظاً قاسياً. ينظر إلي بسرعة، ثم إلى مؤخرة السيارة، ولا يتوقف بنظره عند أحدنا. د.محمد يتكلم كثيراً ونبرته تبدو واثقة. هما تقريبا في نفس العمر- الجندي والطبيب، غير أن حليفنا طبيب ذو تعليم عال والرجل الآخر أقل تعليما بكثير، لكن أحدهما عنده بندقية.
هناك الكثير من التحركات العسكرية في محيط الزاوية. الجندي يبدو قلقاً يريد التخلص منا. ربما لهذا لا يسألنا الكثير من الأسئلة. يقوم بالتلفظ ببعض الكلمات بحدة، ود.محمد يرد عليه بحدة، وكأنه يقول:"أسمع، كيف تجرؤ على سؤالي، فأنا طبيب في نهاية المطاف". تتم الإشارة لنا بالعبور.
ماذا الذي قاله؟ أنا متشوقة لأعرف. "هو يريد أن يعرف لماذا نحن مغادرون" يوضح لنا د.محمد. "قلت له أنكم علقتم بالصدفة في أحداث العنف، وتريدون أن تفروا إلى مكان آمن، ولأنني كنت مغادراً لرؤية عائلتي في طرابلس؛ فقد وافقت أن آخذكم معي".
لقد تجاوزنا أولى العقبات. هذا نجاح مهم من الناحية النفسية. نشعر جمعينا بالفعل بشعور أفضل. كذلك الطبيب. ربما يغفر لي تسلطي السابق عليه بمرور الوقت.
نمر عبر نقطتي التفتيش التاليتين دون أثارة الكثير من الاهتمام. يتم إيقافنا فيهما، فيقوم د.محمد بتكرار نفس الجمل. غير أن هؤلاء الحراس يبدون مشغولين ومشتتي البال، فهم إما أنهم يتوقعون أن يكونوا جزءً من هجوم آخر على الزاوية؛ أو أن يكونوا هم أنفسهم عرضة للهجوم. هم وحدة العمليات على الأرض، والخط الأول الذي سيتلقى إطلاق النار من الثوار، والخط الأول الذي سيتلقي التوبيخ من رؤسائهم في جيش القذافي.
لا نسير طويلاً حتى نصل إلى نقطة تفتيش أخرى. الجنود هنا يسألون أكثر. يطلبون منا أن نخرج من السيارة، لأنهم يريدون إلقاء نظرة على السيارة وعلينا. يشاهدون الكاميرا "المحطمة". يبدأون في تفتيش عدتنا، ويقومون حتى بفتح سوستة عدة الإسعافات. نحاول جاهدين الأ نظهر قلقنا الكبير، وألا ننظر، وهم يمعنون النظر داخل حقيبة الاسعافات الاولية، تم يغلقون السوستة. ثم ينظرون إلى الحقيبة المليئة بالأكل، ولكنهم لا يقفون عندها. أنا قلقة فعلاً بخصوص أن يقوموا بتفتيشنا. أنا لا أستطيع المشي بشكل جيد بينما هناك أثنان من كرتي الكاميرا عالقين تحت كاحل حذائي الطويل. أنا خائفة جداً من أن يأمروني بخلعه. نخوض حديثاً أجوفَ -كلاماً فارغاً- ونحن نقف على جانب الطريق، بينما يقوموا هم بإلقاء نظرة على كل شيء. يبدو أن د.محمد يتكلم معهم، متحدثاً بأريحية لا تدل على أي قلق، ومحاولاً عن قصد أن يشتت إنتباههم. بعدها- وباقتضاب، ودون وعي تقريباً-يأمروننا بإكمال المسير. لا يأخذ ذلك سوى إشارة مقتضبة باليد. نقوم بالصعود إلى السيارة مجدداً في حماس. دفقة كبيرة من الإرتياح تعبر داخلي. لقد كان قلبي يخفق بسرعة وقوة، وأنا أشعر بدوار مع دفقة الأدرينالين. ثم هناك شعور آخر. في البداية أعتقد أنه سرور محض، ولكنه أكثر من ذلك؛ بل هو عجرفة، ثقة حقيقية في النفس، عجرفة صافية. نعم إننا نقوم بهذا. نحن لم ننته بعد؛ ولكن يبدو الأمر وكأننا ننتصر. سوف نعبر من خلال هؤلاء الأوغاد القساة. لكن هذا الشعور يستمر-فقط- حتى نقطة العبور القادمة !.
الآن نقوم بتغيير قصتنا. لقد تمكنا من الخروج من الزاوية، ولكن الطريق إلى طرابلس مزدحم بنقاط التفتيش التي تبتعد عن بعضها بمسافات منتظمة. الجنود يبدون أكبر سناً أكثر فأكثر، أكثر ذكاءاً، أكثر حرفية، وأكثر تساؤلاً، خصوصاً في محيط كتيبة خميس. الرجل الذي يقوم بإيقافنا هنا مسلح، ولكن لا يرتدي ملابس عسكرية، كما أنه أكبر سناً كذلك، ربما في منتصف الثلاثينات. هو يشعرني بالقلق لأنه يبدو ذكياً جداً، صغيراً جداً، ومغرور جداً، وذا سلطة . أستطيع أن أشعر بخوف د.محمد من سلطة الرجل ، أو ما يراه من نفوذ لديه. يقوم بإخبار الجندي بأننا كنا نحاول جاهدين أن ندخل الزاوية، غير أننا فشلنا في ذلك وقررنا التخلي عن ذلك. أنحني فوق د.محمد ، لأنظر عبر نافذة السائق، وأقول للجندي:" لقد سمعنا أن هناك مظاهرة مؤيدة للقذافي في طرابلس اليوم، فأردنا أن نذهب لتصويرها عوضاً عن ذلك". يقوم بهز رأسه في بطء، هو غير متأكد من ذلك، وبذلك فهو ينمحنا فرصة الإستفادة من شكه. ففي نهاية المطاف لقد تمكنوا من إبقاء كل الصحفيين بعيداً عن الزاوية حتى الآن، مع أن هؤلاء الصحفيين الأجانب المزعجين مازالوا يحاولون. يبدو ذلك مناسباً له. بالإضافة لذلك لديه الكثير ليعمله اليوم، فيشير لنا بالعبور.
2012-04-22
14:16
( لدى وجودهم في المستشفى، تتمكن أليكس وزملاؤها من إيجاد شخص (د.محمد زكريا) ليهربهم في سيارته خارج الزواية، فيبدأ مسلسل الهروب الكبير!)
د.صلاح يرجع قائلاً:"لقد وجدت شخصاً"، إنه أحد أصدقائه المقربين (زكريا)، د.محمد وهو طبيب أيضاً في منتصف العشرينات، تدرب في طرابلس، ولديه بطاقة شخصية من طرابلس، وبالتالي لديه حجة ممتازة عندما يتم توقيفه من قبل الجيش، فهو راجع لرؤية عائلته التي تقطن في العاصمة. هو-أيضاً- لديه سيارة، سيارةٌ ربما لن تتعطل. إنه أهل للثقة بفضل كونه صديق للدكتور صلاح، والأهم أنه جاهز لأخذنا. هذه هي تذكرتنا للخروج من هنا. يا رب، ربما تكون هذه فرصتنا.
لم يكن لدينا أدني أمل بالمساعدة قبل الآن، أما الان كل شيء على ما يرام، إن شاء الله.
يسقط قلبي في الأرض وأنا أستمع لـ(تيم) وهو يجادل (د.محمد)-من سيقودنا للهرب، يقوم بتعداد الأخطار له "هل تعي ما قد يحدث؟ هل أنت متأكد من أنك تريد القيام بهذا؟ نحن نحتاج لمساعدتك ولكننا سنتفهم إذا قررت الرفض. نحن نطلب الكثير منك" وهكذا يستمر. "تيم، ماذا؟" هل أنت مجنون؟"، هو أملنا، أملنا الوحيد. (د.محمد) يستمع في انتباه لـ(تيم)، ولكنه جاهز لمواجهة هذ الخطر الكبير، جاهز لمساعدة أناس غرباء عنه بالكامل. لقد إتخذ قراره. أحس بالحزم في صوته، فأشعر براحة كبيرة وأنا أرتعد. حمداً لله، ولكنها مصحوبة باحترام كبير لـ(تيم)، فلابد وأنه مستعجل على الرحيل هو أيضاً. بالتأكيد هو كذلك، ومع هذا فمازال يجد القدرة للتأكد من أن هذا الشاب الخدوم يدرك ما طلب منه فعله. يا له من رجل، يالهم من رجال.
أقابل د.محمد في الجزء الجانبي للمستشفى بجانب سيارته، كما هو مرتب. أنتظر الآخرين فيما يبدو وكأنه دهر، وباستخدام هاتف الأقمار الصناعية، أقوم بإخبار مكتب لندن أننا بصدد التحرك محاولين الخروج. أعطيهم أرقام هواتف الأطباء هنا، على الرغم من عدم وجود فرصة للإتصال بهم لأن شبكة إتصالات المحمول مازالت معطلة. لم أكن قد أنهيت اتصالي بعد، عندما كان (مارتن) و(تيم) في السيارة معي. هناك استعجال الآن، ود(م) موجود بجانب السيارة أيضاً. ليس لدينا فكرة عما إذا كنا سنراه مجدداً، ولكن لدينا الكثير لنكون ممتنين له به. يقوم بمصافحتنا، ويبدو بالفعل متأسفاً لرؤيتنا نغادر. هو أيضاً قلق بخصوصنا. يبدو الأمر وكأننا نودع صديقاً قديماً،أو قريباً. لقد أصبح يعني لنا الكثير خلال الأيام القليلة الماضية. رجل آخر عظيم.
لقد كنا نفكر في عدة سبل لتهريب أشرطتنا. نحن نعلم أنه كوني إمرأة، ربما يكون يكون أفضل خيار هو أن أحمل كل شيء تحت ثيابي، لأن الجنود-الذكور المسلمين-سيترددون في تفتيشي. ولكننا أيضاً نؤيد فكرة أنه لو تم القبض علينا من قبل قوات الأمن، فعندها ستختفي القيود، وسوف لن أكون أفضلاً حالاً من الرجال. لهذا نقرر أن نقسم حمولتنا الثمينة بيننا.
قمنا باستخدام أحد أرغفة الخبز لإخفاء أحد كروت الذاكرة، حيث قمنا بفتحه وحشر الكرت داخله، ثم قمنا بوضعها في كيس بلاستيك مع علب عصير وبسكويت. كما قمنا بوضع كرت آخر في عدة الإسعاف التي أحضرناها معنا، ومجدداً قمنا بعمل فتحة في ضمادة طبية، ولففناه في قصة بلاستيك، ثم حشرناه داخلها. قام (مارتن) بلف شريط طبي لاصق حول الكاميرا ثم لطخه ببعض الأوساخ والقهوة. قصتنا ستكون أنها تحطمت خلال القتال ولم نتمكن من تصوير أي شيء. وقد قمنا بأخذ قرص (دي في دي) فارغ لإثبات قصتنا. العدة الحقيقية ستحمل في أحذيتنا، وفي حمالة صدري (مع كروت الذاكرة من هاتفي)، وستوزع بين حقائبنا وحقائب الظهر في جيوب مخفية.
نحن جميعاً متحمسون ولكن متوترون أيضاً. على الأقل نحن نقوم بشيء ما. على الأقل نحن نقوم بمبادرة. يبدو ذلك أفضل بكثير من الجلوس وانتظار-أوالتعرض-لهجمات متكررة، ولكن لا أحد منا يعلم ما يوجد في الخارج وما سيستقبلنا عندما نغادر، غير أننا متأكدون جميعنا من أنه سيكون عدوانياً. هل سنتمكن من فعلها؟ هل سنعبر سالمين مع صورنا؟. إن الأمر يعتمد على هذا الشاب الآن، هذا الطبيب العشريني الذي هو في بداية حياته. هو يخاطر بكل شيء لينقذنا، ثلاثة من الغرباء قابلهم للتو. (د.محمد) يقول أنه من الأفضل أن يري الجنود إمرأة في الكرسي الأمامي. سيعتقدون أنني أمه، أو زوجته أو أخته. الصورة ستكون أقل عدوانية، أقل تحدياً، وأقل مدعاة للشك. هو يرتدي لباسه الطبي الأخضر. (تيم) و(مارتن) في الخلف. هما لم يحلقا ولم يغتسلا بشكل جيد منذ أيام، كما أننا جميعاً ننام في نفس الثياب التي غادرنا بها يوم الجمعة، قبل ثلاثة أيام فقط !. يبدو ذلك وكأن عمر بأكمله. كلاهما أشعث وفي هيئة قذرة. كلنا كذلك.
نغادر المستشفى عبر البوابة، ولكن (د.محمد) كان في المستشفى لأيام، وهو غير مدرك لتغير المنظر في الخارج. هو مرتبك بسبب الحواجز في الخارج، ولا يعرف أي الطرق آمن، أو أي الطرق يمكن العبور منه. نسمع قعقعة إطلاق نار قريب جداً أمامنا. أنه قريب جداً. لا أعلم إن كان المسلح يقصدنا، فأنا مهتاجة بما يكفي، ومرعوبة بما يكفي للتفكير في احتمال ذلك.
"توقف !، توقف ! " أقول، بصوت مرتفع لدرجة ما، وبقليل من الحدة !!
2012-04-20
16:41

(بعد قضائهم ليلتلهم في المستشفى؛ تطلب أليكس من أحد الأطباء أن يأخذها لزيارة الميدان مرة أخرى، ولكن بمجرد وصولها - هي وزملائها-هناك يتم تحذيرهم من أن قوات القذافي تتقدم مجدداً باتجاه الميدان، فيغادرونه بسرعة عائدين للمستشفى...)
أنا لست متأكدة كم تتطلب رحلتنا، ولكنها تبدو رحلة قصيرة مفزعة. لا نكاد نصل إلى المستشفى، حتى نسمع ضوضاء أصبحنا متعودين عليها، إنها صوت الزحف المخيف لرتل كبير من آليات عسكرية ودبابات، وهي تتجه عائدة إلى الميدان. هناك الكثير منها، ربما خمسة عشر أو عشرين آلية. بعضها شاحنات محشورة بالجنود، وبينما هم يتقدمون؛ يقوم بعضهم بإطلاق النار، ناثرين الرصاص على جانب الطريق. نحن لا نستطيع أن نرى ما الذي يطلقون النار عليه؛ ولكننا نرى سريعاً نتائج إطلاق النار العشوائي. أفكر في الناس الذين مازالوا موجودين هناك، والذين رأيتهم قبل وقت قصير، وكيف سيدافعون عن حياتهم الآن-مجدداً. أفكر كيف كان تحذيرهم لنا دقيقاً، وكيف كنا محظوظين مرة أخرى. ترى كيف علموا بذلك؟ هل لديهم مراقبون؟ هل هو بلاغ سري؟ أم هي الغريزة؟.
ترتفع أصوات السيارات العادية وسيارات الإسعاف وهي تتجه للمدخل الأمامي للمستشفى محملةً بالمصابين. يتم إحضار رجل وهو مستلقٍ على بطنه، مع قذيقة مضادة للدبابات منتصبة للأعلى، بعد أن إنغرزت في مؤخرة فخده. القذيفة لم تنفجر، وهو مازال واعياً يتمتم بـ"الله أكبر" بشكل متكرر، بينما يركض المسعفون به على نقالة مباشرة في اتجاه المصعد، ليتم أخذه لغرفة العمليات. "سيكون على ما يرام" يخبرني أحد الأطباء وهو يرى الرعب على وجهي. يتم إحضار ولد صغير وهو يصرخ، ويتلوى على النقالة، بينما يحاول رجال أن يثبتوه لحماية الجرح في رأسه. يخبرني الأطباء أنه أصيب بطلق ناري بينما كان جالساً عند عتبة البيت يلعب مع أصدقائه. هل كان ذلك بسبب رشقات الرصاص العشوائية التي رأيناها سابقاً هذا اليوم؟. يرينا طاقم المستشفى على الأقل سيارتي إسعاف مرشوقة بالرصاص، من خلال الزجاج الأمامي، على الجانبين، ومن خلال النوافذ الخلفية.
بينما نحن نشاهد أحد الجرحى وهو يُخرج من إحدى سيارات الإسعاف المهترئة، فيحيط بها طاقم المستشفى وهم يرتدون المعاطف البيضاء؛ يتجدد إطلاق النار. بعض الرصاص يبدو وكأنه يسقط في وسط حشد الأطباء، فيقوموا بالتفرق، تاركين الرجل الجريح على نقالته عند المدخل وقد انقطعت به السبل. إنها ردة فعل بدون وعي، ولكن في لحظات يعود بعضهم لسحب المصاب إلى الداخل الآمن إلى حد ما. ولكن لا مكان يبدو آمناً بعد الآن.
أذهب أنا و(تيم) خارجاً لنجري اتصالاً عبر هاتف القمر الصناعي. حيث يجب علينا التواجد خارجاً لنحصل على تغطية. لكن بينما نحن نحاول الاتصال، تمر إحدى طائرات القذافي النفاثة على ارتفاع منخفض فوقنا وهي تزأر. يا مسيح!، هل سيبدأ الآن في إلقاء القنابل من السماء على شعبه؟. عندما نتمكن من الحصول على الاتصال بلندن، وبينما نقوم بإخبارهم بآخر مستجدات الهجوم الأخير؛ يبدأ إطلاق الرصاص فوقنا. يبدو ذلك وكأنه ينطلق من سطح المستشفي. هل هناك شخص ما هناك؟ تُرى من يقوم بإطلاق النار؟، وهل هم يطلقون النار علينا؟ هل شاهدونا؟هل يتم استهدافنا،أم أن إطلاق النار القريب منا هذا كان مجرد مصادفة؟. نرجع راكضين إلى الداخل.
هناك دبابات تقوم بالقصف الآن، والضجيج قريب جداً من المستشفى. القصف يجعل النوافذ ترتجج بقوة. تنشغل الممرضات في في تحصين النوافذ لتأمين أنفسهن، وذلك بإسناد الأسرة عليها. ذهب (مارتن) لمحاولة إيجاد نافذة أعلى لكي يحصل على رؤية أفضل للمنطقة. هو يأمل أن يرى بعض الآليات العسكرية ليحصل على فكرة واضحة عما يقومون به. هناك سحب دخانية قادمة من جهة الميدان. "يا لهم من مساكين، أناس مساكين"، بالكاد أستطيع أن أتحكم في نفسي وأنا أنتحب لأجلهم، كما أنني خائفة من أجلنا أيضاً، خائفة جداً. أكره كوني بعيدة عن (مارتن) و(تيم) الآن. أقوم بشكل مستمر بالتجول وأنا قلقة عن مكان تواجدهما. أحياناً يراني الأطباء وأنا أتجول في الأنحاء لوحدي، ومباشرة يقولون "لقد ذهب للأعلى للتصوير" مشيرين إلى (مارتن)، أو "هو في المكتب" مشيرين إلى (تيم). لابد وأنني أبدو تائهة وقلقة بشكل مفزع. بلا شك فأنا أشعر بذلك.
د.(م) مازال معنا، يدخل إلى غرفة العمليات، ثم يخرج منها للبحث عنا و للإطمئنان علينا. مازال يبذل قصارى جهده محاولاً إيجاد شخصاً ما ليقودنا خارجاً. ليس هناك أخبار سارة على الاطلاق. لقد رجع للميدان بنفسه محاولاً إيجاد سيارته، فيرينا صوراً لها على هاتفه المحمول. لقد تم تدميرها أو حرقها بنوع من القنابل. نحن لا نعلم ما الذي دمرها، ولكننا نعلم أنها لن تمر عبر الفحص الفني مجدداً !.
الطبيب وإبنه عالقين مثلنا. أنا باستمرار مندهشة، بل كلنا مندهشون؛ من رباطة جأشه. هو هنا في أسوأ الظروف صحبة إبنه الصغير. يكفي سوءاً أن تكون كشخص راشد تهتم بنفسك، وتتمنى، ولكن أن تقلق أيضاً بشأن ضمان أن يكون طفلك بخير أيضاً ؟، ومع هذا فهو هادئ وودود، وقلق بشأننا بشكل متواصل.
أجد نفسي أسير عبر أحد الممرات محاولة الرجوع لــ"مكتبنا" وللآخرين، وعندما ألف حول إحدى الزاويا ؛ أري تشكيلاً من حوالي عشرين طبيباً في معاطفهم البيضاء، وهم يجثون على ركبهم في الزاوية يصلون. هم يصلون من أجل المساعدة. أتوقف شاعرة بالتطفل، ولكن ذلك يبدو وكأنه مظاهرة شعبية، وتأكيد على قوة الإيمان. إنها "إن شاء الله" بحروف كبيرة. إنها بين يدي الله.
أنا لست متأكدة كم تتطلب رحلتنا، ولكنها تبدو رحلة قصيرة مفزعة. لا نكاد نصل إلى المستشفى، حتى نسمع ضوضاء أصبحنا متعودين عليها، إنها صوت الزحف المخيف لرتل كبير من آليات عسكرية ودبابات، وهي تتجه عائدة إلى الميدان. هناك الكثير منها، ربما خمسة عشر أو عشرين آلية. بعضها شاحنات محشورة بالجنود، وبينما هم يتقدمون؛ يقوم بعضهم بإطلاق النار، ناثرين الرصاص على جانب الطريق. نحن لا نستطيع أن نرى ما الذي يطلقون النار عليه؛ ولكننا نرى سريعاً نتائج إطلاق النار العشوائي. أفكر في الناس الذين مازالوا موجودين هناك، والذين رأيتهم قبل وقت قصير، وكيف سيدافعون عن حياتهم الآن-مجدداً. أفكر كيف كان تحذيرهم لنا دقيقاً، وكيف كنا محظوظين مرة أخرى. ترى كيف علموا بذلك؟ هل لديهم مراقبون؟ هل هو بلاغ سري؟ أم هي الغريزة؟.
ترتفع أصوات السيارات العادية وسيارات الإسعاف وهي تتجه للمدخل الأمامي للمستشفى محملةً بالمصابين. يتم إحضار رجل وهو مستلقٍ على بطنه، مع قذيقة مضادة للدبابات منتصبة للأعلى، بعد أن إنغرزت في مؤخرة فخده. القذيفة لم تنفجر، وهو مازال واعياً يتمتم بـ"الله أكبر" بشكل متكرر، بينما يركض المسعفون به على نقالة مباشرة في اتجاه المصعد، ليتم أخذه لغرفة العمليات. "سيكون على ما يرام" يخبرني أحد الأطباء وهو يرى الرعب على وجهي. يتم إحضار ولد صغير وهو يصرخ، ويتلوى على النقالة، بينما يحاول رجال أن يثبتوه لحماية الجرح في رأسه. يخبرني الأطباء أنه أصيب بطلق ناري بينما كان جالساً عند عتبة البيت يلعب مع أصدقائه. هل كان ذلك بسبب رشقات الرصاص العشوائية التي رأيناها سابقاً هذا اليوم؟. يرينا طاقم المستشفى على الأقل سيارتي إسعاف مرشوقة بالرصاص، من خلال الزجاج الأمامي، على الجانبين، ومن خلال النوافذ الخلفية.
بينما نحن نشاهد أحد الجرحى وهو يُخرج من إحدى سيارات الإسعاف المهترئة، فيحيط بها طاقم المستشفى وهم يرتدون المعاطف البيضاء؛ يتجدد إطلاق النار. بعض الرصاص يبدو وكأنه يسقط في وسط حشد الأطباء، فيقوموا بالتفرق، تاركين الرجل الجريح على نقالته عند المدخل وقد انقطعت به السبل. إنها ردة فعل بدون وعي، ولكن في لحظات يعود بعضهم لسحب المصاب إلى الداخل الآمن إلى حد ما. ولكن لا مكان يبدو آمناً بعد الآن.
أذهب أنا و(تيم) خارجاً لنجري اتصالاً عبر هاتف القمر الصناعي. حيث يجب علينا التواجد خارجاً لنحصل على تغطية. لكن بينما نحن نحاول الاتصال، تمر إحدى طائرات القذافي النفاثة على ارتفاع منخفض فوقنا وهي تزأر. يا مسيح!، هل سيبدأ الآن في إلقاء القنابل من السماء على شعبه؟. عندما نتمكن من الحصول على الاتصال بلندن، وبينما نقوم بإخبارهم بآخر مستجدات الهجوم الأخير؛ يبدأ إطلاق الرصاص فوقنا. يبدو ذلك وكأنه ينطلق من سطح المستشفي. هل هناك شخص ما هناك؟ تُرى من يقوم بإطلاق النار؟، وهل هم يطلقون النار علينا؟ هل شاهدونا؟هل يتم استهدافنا،أم أن إطلاق النار القريب منا هذا كان مجرد مصادفة؟. نرجع راكضين إلى الداخل.
هناك دبابات تقوم بالقصف الآن، والضجيج قريب جداً من المستشفى. القصف يجعل النوافذ ترتجج بقوة. تنشغل الممرضات في في تحصين النوافذ لتأمين أنفسهن، وذلك بإسناد الأسرة عليها. ذهب (مارتن) لمحاولة إيجاد نافذة أعلى لكي يحصل على رؤية أفضل للمنطقة. هو يأمل أن يرى بعض الآليات العسكرية ليحصل على فكرة واضحة عما يقومون به. هناك سحب دخانية قادمة من جهة الميدان. "يا لهم من مساكين، أناس مساكين"، بالكاد أستطيع أن أتحكم في نفسي وأنا أنتحب لأجلهم، كما أنني خائفة من أجلنا أيضاً، خائفة جداً. أكره كوني بعيدة عن (مارتن) و(تيم) الآن. أقوم بشكل مستمر بالتجول وأنا قلقة عن مكان تواجدهما. أحياناً يراني الأطباء وأنا أتجول في الأنحاء لوحدي، ومباشرة يقولون "لقد ذهب للأعلى للتصوير" مشيرين إلى (مارتن)، أو "هو في المكتب" مشيرين إلى (تيم). لابد وأنني أبدو تائهة وقلقة بشكل مفزع. بلا شك فأنا أشعر بذلك.
د.(م) مازال معنا، يدخل إلى غرفة العمليات، ثم يخرج منها للبحث عنا و للإطمئنان علينا. مازال يبذل قصارى جهده محاولاً إيجاد شخصاً ما ليقودنا خارجاً. ليس هناك أخبار سارة على الاطلاق. لقد رجع للميدان بنفسه محاولاً إيجاد سيارته، فيرينا صوراً لها على هاتفه المحمول. لقد تم تدميرها أو حرقها بنوع من القنابل. نحن لا نعلم ما الذي دمرها، ولكننا نعلم أنها لن تمر عبر الفحص الفني مجدداً !.
الطبيب وإبنه عالقين مثلنا. أنا باستمرار مندهشة، بل كلنا مندهشون؛ من رباطة جأشه. هو هنا في أسوأ الظروف صحبة إبنه الصغير. يكفي سوءاً أن تكون كشخص راشد تهتم بنفسك، وتتمنى، ولكن أن تقلق أيضاً بشأن ضمان أن يكون طفلك بخير أيضاً ؟، ومع هذا فهو هادئ وودود، وقلق بشأننا بشكل متواصل.
أجد نفسي أسير عبر أحد الممرات محاولة الرجوع لــ"مكتبنا" وللآخرين، وعندما ألف حول إحدى الزاويا ؛ أري تشكيلاً من حوالي عشرين طبيباً في معاطفهم البيضاء، وهم يجثون على ركبهم في الزاوية يصلون. هم يصلون من أجل المساعدة. أتوقف شاعرة بالتطفل، ولكن ذلك يبدو وكأنه مظاهرة شعبية، وتأكيد على قوة الإيمان. إنها "إن شاء الله" بحروف كبيرة. إنها بين يدي الله.
2012-04-17
18:22

(ستيوارت) في هذا الوقت موجود على الحدود التونسية مع المصور (ريتشي موكلر) و (مارتن فوس) حارس الفريق. لقد اشتغلت مع كليهما في باكستان. (مارتن) واحد من قلائل من الذين تمكنوا من التسلل عبر الحدود إلى ليبيا ثم إلى تونس مجدداً تحت أنظار الحرس الليبيين. (ريتشي) و(مارتن) كلاهما كان جندياً في مشاة البحرية. كلاهما-بالإضافة إلى (ستيوارت)-يفكرون في خيارت تهريبنا بتخطيط وبدقة عسكرية. هم يتفاوضون مع وسطائهم الثوار ملتمسين لديهم المساعدة، ويناقشون معهم إرسال فريق من مقاتلي المعارضة من الذين يعرفون المنطقة، والطرق الخلفية فيها، ليحاولوا تهريبنا خارج الزاوية. كما أنهم أيضاً يدرسون إمكانية إنقاذنا بالبحر، بتجهيز قارب لدخول المياه الليبية لنقلنا خارج البلاد، وبذلك بمساعدة الثوار أيضاً.
نحن لا ندرك حتى اللحظة أننا قريبون إلى حد ما من البحر. (ستيوارت) و (ريتشي) و(مارتن.ف) يستغلون خرائط وصور من الأقمار الصناعية لإيجاد موقعنا. العائق الوحيد هو أنه يتوجب علينا أن نصل للميناء بطريقة ما، ونحن لا نستطيع حتى أن نخرج من المستشفى الآن. بين التخطيط وتحديد المواقع، يجد (ستيوارت) الوقت ليرسل لنا بعض النكت الصبيانية :"هل سمتعتم النكتة التي تتحدث عن الرجل الذي دخل إلى عيادة الطبيب وعجلة القيادة حول قضيبه؟، قال الطبيب: ما هذا يا رجل؟، فقال الرجل: لا أعرف، إنه يقودني للجنون !". هي نكتة غير لا ئقة على الإطلاق؛ ولكنها تكسر التوتر. غير أن الأطباء في المستشفى يضحكون عليها بشدة. يرد عليه تيم :"هذه أول مرة أضحك فيها منذ عدة أيام".
(بيل نيلي) من قناة (آي تي إن) يقوم أيضاً بإرسال رسائل نصية من طرابلس " أنا على اتصال بطبيب في الميدان" يخبرنا. "هو يقول إذا كان في إمكانكم الوصول إليه؛ فإنه سوف يساعدكم، وسيحاول نقلكم خارجاً". يقول بيل أن مسؤولي النظام في الفندق يتحدثون عن أخذ الصحافة الموجودة في ريكسوس في رحلة حكومية إلى الزاوية، ليظهروا كيف أنه تم "تحريرها" وأنها تحت السيطرة. هذا غير وارد الآن إطلاقاً، أقول في نفسى، فمازال هناك قتال هنا، ولا شيء تم "تحريره" أو الإستيلاء عليه .
الوصول للطبيب الذي أخبرنا عنه بيل سهل بالنسبة لنا، ولكن حتى الوصول للميدان الذي يبعد بضع أميال هو خارج قدرتنا، كما أن التفتيش عن طبيب لا نعرفه لا يعتبر عملياً في وقت تمطر السماء رصاصاً. بالإضافة لذلك- وهو ما لا يعلمه بيل- فنحن الآن خارج المسجد، في مستشفى مليء بأشخاص يحاولون مساعدتنا.
(بيل) نفسه يحاول بشكل ملح المجيء للزاوية. هو أيضاً منافس عملاق. الكثير من الصحفيين يدركون أن هذا هو الحدث الذي يحتاج للتغطية. ولكن الدخول للزاوية-التي تقبع تحت حصار شديد الآن- يعتبر على الأقل بنفس صعوبة الخروج منها.
غير أن من هم في طرابلس لديهم أفضل فرصة للوصول لمكان الحدث، بما أنهم الأقرب للمنطقة جغرافياً. (بيل) سخيٌّ في معلولماته. عدة مرات يتم إيقافه عند نقاط التفتيش وهو يحاول الدخول للزاوية، ويتم مصادرة معداته. في نفس الوقت يستمر في إرسال شذرات من المعلومات حيوية لنا. "هناك شريط من الدبابات خارج الزاوية عند الجانب الشرقي" يقول في إحدى رسائله النصية، ويعطينا مواقع وتوزيع المركبات العسكرية التي رآها. "إنها تابعة لكتيبة خميس". ذلك يساعدنا في رسم صورة ذهنية لما يجري خارج المدينة التي نحن عالقون فيها.
18:22

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة الثامنة: تحت الحصار
تقديم : بعد إنتهاء المعركة، تخرج أليكس وزملاؤها إلى ميدان الشهداء للتصوير، ثم ينتقلون في سيارة إسعاف إلى المستشفى...
ليس لدينا أية فكرة عن كيفية الخروج من الزاوية مع الصور، ولكننا نعلم أنه يتوجب علينا ذلك. إذا لم نخرج من هنا مع الدليل المصور القوي، فذلك يعني أن كل ما مررنا به كان دون جدوى. معاناة أهل الزاوية- ومعاتنا- ستكون دون جدوى. هذا ليس خياراً مطروحاً(..............).أقترح محاولة الخروج في اتجاه الغرب عبر الحدود التونسية، ولكنه طريق طويل وصعب فالحكومة مازالت تتحكم فيه. لقد كانت هناك معارك متواصلة بين مقاتلي المعارضة وقوات القذافي. في أفضل الأحوال يحقق الثوار انتصارات متفرقة للسيطرة على الجانب الجنوبي، ثم يخسروها لصالح النظام في عدة أيام- وأحياناً ساعات- لاحقاً. (تيم) متشدد جداً في كون أن ذلك ليس مكاناً للذهاب، فقد رجع للتو من تغطية الهجرة الجماعية الضخمة للاجئين الذين يتدفقون من ليبيا إلى تونس. "إنها رحلة صعبة جداً، وبمجرد أن نصل للحدود- هذا إذا وصلنا لها-، فهناك آلافٌ مؤلفة من البشر الذين يحاولون العبور. أقول لك هذه فكرة سيئة".
الحل الآخر هو أن نحاول أن نقطع طريقنا للخارج عبر المنطقة ذات الأشجار باتجاه مصفاة النفط على أطراف الزاوية. لقد كان هناك قتال أيضاً، ولكن أحد الأطباء يقول لنا أن عنده منزلاً قريباً منها يمكننا الإقامة فيه. لا لا أفكر، فلابد وأن المنطقة تعج بالجيش، فحتى لو استطعنا الوصول هناك؛ ماذا بعد؟.
ماذا عن الإتجاه شرقاً نحو طرابلس؟، هو الطريق الأقصر، وهناك المطار، ولكن الخطة (ج) محفوفة بالمخاطر هي أيضاً. كبداية علينا التعامل مع الموقع الرئيسي لكتيبة خميس، الجناح الأكثر شهرة في المنظومة العسكرية الليبية. اللواء 32 يسمى بالعامية كتيبة خميس نسبة إلى الإبن المفضل للقذافي، حيث ضمن العقيد-عبر السنوات-ميزانية كبيرة له. إن ثكناته تقع مباشرة خارج الزاوية على الطريق إلى طرابلس. الكتيبة مرهوبة الجانب في كل ليبيا لوحشيتها وأساليب التحقيق فيها. نحن أيضاً قلقون من أن النظام ومرافقيه يترقبوننا في فندق ريكسوس. إنهم يعلمون الآن أن هناك ثلاثة من الصحفيين الأجانب في الزاوية، وسوف لن يعجبهم ما قلناه بخصوص ما يجري داخل المدينة. هناك بالفعل حملة نفي متصاعدة من قبلهم حول تقاريري الهاتفية، قائلين أنها أكاذيب، وأنها الآن قديمة. ولكن لدينا أول دليل مستقل أن القذافي يهاجم المدنيين العزل. النظام يعلم ذلك ويريد إخفاءه.
أستلم الآن الكثير من الرسائل النصية. عدد من الاشخاص، وعدد من فرق الاخبار يحاولون أن يخرجونا بسرعة، ومساعدتنا أو على الاقل إعطاء بعض الدعم المعنوي. الصحفيين المتمرسون من داخل سكاي نيوز وخارجها يدركون أننا في وضعية صعبة جداً. (ستيوارت رامسي) كبير مراسلي سكاي نيوز، وهو متمرس في عدة حروب، كما كان في كثير من المرات على الجانب المتلقي لهجمات أنظمة عسكرية متوحشة؛ ربما يكون أكثر من يدرك خطورة وضعنا من بين الجميع. هو على الحدود التونسية محاولا التسلل مع فريقه إلى داخل ليبيا بمساعدة الثوار، عن طريق جبال نفوسه. "نحن نعمل على إيجاد خطة" يكتب لي، لا تقلقوا، سوف نخرجكم جميعاً". ذلك هو ما نريد سماعه، فذلك يقلل من شعورنا بالوحدة.
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة الثامنة: تحت الحصار
تقديم : بعد إنتهاء المعركة، تخرج أليكس وزملاؤها إلى ميدان الشهداء للتصوير، ثم ينتقلون في سيارة إسعاف إلى المستشفى...
ليس لدينا أية فكرة عن كيفية الخروج من الزاوية مع الصور، ولكننا نعلم أنه يتوجب علينا ذلك. إذا لم نخرج من هنا مع الدليل المصور القوي، فذلك يعني أن كل ما مررنا به كان دون جدوى. معاناة أهل الزاوية- ومعاتنا- ستكون دون جدوى. هذا ليس خياراً مطروحاً(..............).أقترح محاولة الخروج في اتجاه الغرب عبر الحدود التونسية، ولكنه طريق طويل وصعب فالحكومة مازالت تتحكم فيه. لقد كانت هناك معارك متواصلة بين مقاتلي المعارضة وقوات القذافي. في أفضل الأحوال يحقق الثوار انتصارات متفرقة للسيطرة على الجانب الجنوبي، ثم يخسروها لصالح النظام في عدة أيام- وأحياناً ساعات- لاحقاً. (تيم) متشدد جداً في كون أن ذلك ليس مكاناً للذهاب، فقد رجع للتو من تغطية الهجرة الجماعية الضخمة للاجئين الذين يتدفقون من ليبيا إلى تونس. "إنها رحلة صعبة جداً، وبمجرد أن نصل للحدود- هذا إذا وصلنا لها-، فهناك آلافٌ مؤلفة من البشر الذين يحاولون العبور. أقول لك هذه فكرة سيئة".
الحل الآخر هو أن نحاول أن نقطع طريقنا للخارج عبر المنطقة ذات الأشجار باتجاه مصفاة النفط على أطراف الزاوية. لقد كان هناك قتال أيضاً، ولكن أحد الأطباء يقول لنا أن عنده منزلاً قريباً منها يمكننا الإقامة فيه. لا لا أفكر، فلابد وأن المنطقة تعج بالجيش، فحتى لو استطعنا الوصول هناك؛ ماذا بعد؟.
ماذا عن الإتجاه شرقاً نحو طرابلس؟، هو الطريق الأقصر، وهناك المطار، ولكن الخطة (ج) محفوفة بالمخاطر هي أيضاً. كبداية علينا التعامل مع الموقع الرئيسي لكتيبة خميس، الجناح الأكثر شهرة في المنظومة العسكرية الليبية. اللواء 32 يسمى بالعامية كتيبة خميس نسبة إلى الإبن المفضل للقذافي، حيث ضمن العقيد-عبر السنوات-ميزانية كبيرة له. إن ثكناته تقع مباشرة خارج الزاوية على الطريق إلى طرابلس. الكتيبة مرهوبة الجانب في كل ليبيا لوحشيتها وأساليب التحقيق فيها. نحن أيضاً قلقون من أن النظام ومرافقيه يترقبوننا في فندق ريكسوس. إنهم يعلمون الآن أن هناك ثلاثة من الصحفيين الأجانب في الزاوية، وسوف لن يعجبهم ما قلناه بخصوص ما يجري داخل المدينة. هناك بالفعل حملة نفي متصاعدة من قبلهم حول تقاريري الهاتفية، قائلين أنها أكاذيب، وأنها الآن قديمة. ولكن لدينا أول دليل مستقل أن القذافي يهاجم المدنيين العزل. النظام يعلم ذلك ويريد إخفاءه.
أستلم الآن الكثير من الرسائل النصية. عدد من الاشخاص، وعدد من فرق الاخبار يحاولون أن يخرجونا بسرعة، ومساعدتنا أو على الاقل إعطاء بعض الدعم المعنوي. الصحفيين المتمرسون من داخل سكاي نيوز وخارجها يدركون أننا في وضعية صعبة جداً. (ستيوارت رامسي) كبير مراسلي سكاي نيوز، وهو متمرس في عدة حروب، كما كان في كثير من المرات على الجانب المتلقي لهجمات أنظمة عسكرية متوحشة؛ ربما يكون أكثر من يدرك خطورة وضعنا من بين الجميع. هو على الحدود التونسية محاولا التسلل مع فريقه إلى داخل ليبيا بمساعدة الثوار، عن طريق جبال نفوسه. "نحن نعمل على إيجاد خطة" يكتب لي، لا تقلقوا، سوف نخرجكم جميعاً". ذلك هو ما نريد سماعه، فذلك يقلل من شعورنا بالوحدة.
2012-04-16
17:03

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة السابعة : لقد نجونا !!
تصلني رسائل نصية من أصدقاء وزملاء قلقين، ومن (ريتشارد) الذي كان يشاهد تقاريري في بيتنا في دبي. "بالله عليك إبقِ رأسك منخفضاً". لا أريد أن أتكلم مجدداً. أعلم أن صوتي سيفضح مشاعري الحقيقية، فأنا مرعوبة، وأشعر بأنني مقيدة بالكامل. لا يمكننا الهروب لأي مكان. كل ما يمكننا عمله هو الجلوس والإنتظار، إنتظار ما نؤمن جميعاً أنه لا مفر منه. أكتب رادة عليه :"نحن في المسجد، إنه أفضل مكان نكون فيه". يكتب راداً:" إستمري، ذلك شيء مطمئن". يبدو لي قوياً و داعماً.
من مكتب سكاي الرئيسي في لندن أستلم رسائل تخبرني بعدم ذكر المسجد أو المكان الذي نحن فيه، إذا ما تم استهدافنا. لنفس السبب، فأنا لن أقول أن هناك أحد جنود القذافي معنا في إذا تم استهدافنا، ولا نحن مع من. أفكر، ولكننا مستهدفون بالفعل، مستهدفون كلنا. إنهم يحاولون قتلنا جميعاً. أنظر عبر الغرفة إلي (مارتن) و(تيم)، فأدرك أن لديهم نفس الشعور مثلي تماماً. جنود القذافي سيكونون هنا قريباً. هي مسألة وقت ثم ينتهي كل شيء.
من الصعب التكهن إلى متي يستمر هذا الأمر. تشعر وكأن له دهراً. أعتقد أن له ثلاث ساعات تقريباً. بعد ذلك يتم فتح الباب، فيدخل رجل صغير. "لقد رحلوا" يقول. "انتهى كل شيء. تعالى وانظري". في البداية أطل برأسي من حجرة التخزين، فأرى الناس يتدفقون خارجاً عبر المدخل الأمامي للمسجد. أنظر خارجاً في حذر. هناك دبابة خارج المدخل الأمامي مباشرة، ونصفها على الحد الأخضر للضفة المعشبة من الميدان. هناك دخان ينطلق من برجها. أعتقد أن الثوار قد تمكنوا من قذف رمانة داخلها. يا مسيح، ذلك قريب. إنها خارج المكان مباشرة. لم أخطو بعيداً عن مدخل المسجد، حتى بدأ إطلاق النار مجدداً. ألتفت وأركض راجعة لمحمية حجرة التخزين. "ليس بعد" أقول بأنفاس متقطعة للآخرين. يستمر القتال لساعة أخرى تقريباً.
أستمر في إذاعة التقارير، بينما يستمر زميلتي في طرابلس في إعطاء النسخة المختلفة للنظام. "السلطات هنا تقول أنه ليس هناك قتال في الزاوية. لقد أعادوا السيطرة عليها. أنها بين يدي الحكومة مجدداً" تقول. بعد ذلك يقوم المخرج في استوديو لندن بالمقاطعة والعودة لي في الزاوية، حيث هناك أصوات قتال مرة أخرى. "أستطيع أن أؤكد لك أن القتال مازال مستمراً وعنيفاً بشدة" أقول. هذا بدون شك يدحض الأكاذيب التي ينشرها نظام القذافي .
بعدها يدخل نفس الرجل الصغير. "انتهى كل شيء، انتهي كل شيء، أعدك هذه المرة أن كل شيء قد انتهى. لقد دحرناهم". لا أحد يصدقه هذه المرة. لكنني أخطو-في حذر- للخارج، والآن يبدو الأمر مختلفاً، فهناك أناس أكثر بكثير في الخارج. هم يجثون على ركبهم، يجهشون، ويسجدون شكراً. أركض راجعة لأخبر الآخرين. ينهض (مارتن) ويخرج مباشرة، والكاميرا في يده، وأنا أسير خلفه. المشاعر في الخارج تلفها البهجة. هم يحضنون بعضهم البعض، يبكون ،ويزفرون في ارتياح. نشعر بالمثل. هل استطاعوا بالفعل دحر جيش القذافي؟ كيف بالله نجونا جميعاً؟. ياإلهي، لقد نجونا. بعضنا مازال حياً.
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة السابعة : لقد نجونا !!
تصلني رسائل نصية من أصدقاء وزملاء قلقين، ومن (ريتشارد) الذي كان يشاهد تقاريري في بيتنا في دبي. "بالله عليك إبقِ رأسك منخفضاً". لا أريد أن أتكلم مجدداً. أعلم أن صوتي سيفضح مشاعري الحقيقية، فأنا مرعوبة، وأشعر بأنني مقيدة بالكامل. لا يمكننا الهروب لأي مكان. كل ما يمكننا عمله هو الجلوس والإنتظار، إنتظار ما نؤمن جميعاً أنه لا مفر منه. أكتب رادة عليه :"نحن في المسجد، إنه أفضل مكان نكون فيه". يكتب راداً:" إستمري، ذلك شيء مطمئن". يبدو لي قوياً و داعماً.
من مكتب سكاي الرئيسي في لندن أستلم رسائل تخبرني بعدم ذكر المسجد أو المكان الذي نحن فيه، إذا ما تم استهدافنا. لنفس السبب، فأنا لن أقول أن هناك أحد جنود القذافي معنا في إذا تم استهدافنا، ولا نحن مع من. أفكر، ولكننا مستهدفون بالفعل، مستهدفون كلنا. إنهم يحاولون قتلنا جميعاً. أنظر عبر الغرفة إلي (مارتن) و(تيم)، فأدرك أن لديهم نفس الشعور مثلي تماماً. جنود القذافي سيكونون هنا قريباً. هي مسألة وقت ثم ينتهي كل شيء.
من الصعب التكهن إلى متي يستمر هذا الأمر. تشعر وكأن له دهراً. أعتقد أن له ثلاث ساعات تقريباً. بعد ذلك يتم فتح الباب، فيدخل رجل صغير. "لقد رحلوا" يقول. "انتهى كل شيء. تعالى وانظري". في البداية أطل برأسي من حجرة التخزين، فأرى الناس يتدفقون خارجاً عبر المدخل الأمامي للمسجد. أنظر خارجاً في حذر. هناك دبابة خارج المدخل الأمامي مباشرة، ونصفها على الحد الأخضر للضفة المعشبة من الميدان. هناك دخان ينطلق من برجها. أعتقد أن الثوار قد تمكنوا من قذف رمانة داخلها. يا مسيح، ذلك قريب. إنها خارج المكان مباشرة. لم أخطو بعيداً عن مدخل المسجد، حتى بدأ إطلاق النار مجدداً. ألتفت وأركض راجعة لمحمية حجرة التخزين. "ليس بعد" أقول بأنفاس متقطعة للآخرين. يستمر القتال لساعة أخرى تقريباً.
أستمر في إذاعة التقارير، بينما يستمر زميلتي في طرابلس في إعطاء النسخة المختلفة للنظام. "السلطات هنا تقول أنه ليس هناك قتال في الزاوية. لقد أعادوا السيطرة عليها. أنها بين يدي الحكومة مجدداً" تقول. بعد ذلك يقوم المخرج في استوديو لندن بالمقاطعة والعودة لي في الزاوية، حيث هناك أصوات قتال مرة أخرى. "أستطيع أن أؤكد لك أن القتال مازال مستمراً وعنيفاً بشدة" أقول. هذا بدون شك يدحض الأكاذيب التي ينشرها نظام القذافي .
بعدها يدخل نفس الرجل الصغير. "انتهى كل شيء، انتهي كل شيء، أعدك هذه المرة أن كل شيء قد انتهى. لقد دحرناهم". لا أحد يصدقه هذه المرة. لكنني أخطو-في حذر- للخارج، والآن يبدو الأمر مختلفاً، فهناك أناس أكثر بكثير في الخارج. هم يجثون على ركبهم، يجهشون، ويسجدون شكراً. أركض راجعة لأخبر الآخرين. ينهض (مارتن) ويخرج مباشرة، والكاميرا في يده، وأنا أسير خلفه. المشاعر في الخارج تلفها البهجة. هم يحضنون بعضهم البعض، يبكون ،ويزفرون في ارتياح. نشعر بالمثل. هل استطاعوا بالفعل دحر جيش القذافي؟ كيف بالله نجونا جميعاً؟. ياإلهي، لقد نجونا. بعضنا مازال حياً.
2012-04-15
14:15

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة السادسة: إنتظار المحتوم !
لا أستطيع أن أري مخرجا من هنا، و مارتن- الذي حضر عدة حروب في الكثير من البلدان- لا يستطيع أن يري مخرجا أيضا. بووم بووم بووم. أستطيع أن أحس بدبابات القذافي المتوحشة وهي مباشرة خارج المكان الذي نجلس فيه مطأطئي الرؤوس، منكمشين على أنفسنا. الجدران الحجرية تبدو هزيلة جداً وهشة كالورق المجفف. ليس هناك دفاع ولا تحصينات على الاطلاق. يبدو أن جنود القذافي يحيطون بنا. يراودنا الشعور بأننا محشورين في الزاوية، مطوقين، وعاجزين-بشكل تام-عن الدفاع .
أصوات القصف من الدبابات مدوٍ جداً لدرجة أنها تؤذي أذنيّ. الضجيج يشبه الرعد، يهصرنا ،وتمرّ إرتجاجاته عبرنا. "أرجوكم لا توجهوا تلك الدبابة لهذا الجدار، أرجوكم" أقول متوسلةً.
الثوار في الخارج يقاتلون من أجل حياتهم وحياتنا. المدينة تتعرض لهجوم عنيف وبربري من قوات القذافي، ومن الواضح، أنه ليس لديهم الخيار، فإما أن يقاتلوا أو يتم سحنهم.
في حجرة التخزين أناس مثلنا، حوالي نصف دزينة من الذين علقوا في القتال، أو الذين فروا هنا بحثا عن ملجأ. ليس لدينا أي سلاح. هناك ولد بجانبي، ربما يكون في الخامسة عشرة، في نفس عمر إبني (نات). هو يبكي ويداه ممسكتان بأذنيه محاولة كتم الضجيج. أكبرهم رجل في الخامسة والخمسين، يحدق في المجهول أمامه، وهو يحتضن حقيبة صغيرة تحتوي على كمبيوتره المحمول. الكمبيوتر أنقذ حياته بالفعل بعد أن استقبل رصاصة مرت عبر فخذه. لقد مزقت جزءاً من جلده وهو حالياً ينزف، ولكنه جرح سطحي، لن يقتله.
نحدق أنا و(مارتن) في بعضنا البعض عبر الحجرة دون أن نقول أي شيء، ولكننا نقرأ أفكار بعضنا. يبدو عليه الرعب، مثلما أشعر تماماً.
فجأة أشعر بالحاجة لعائلتي، أريد أن أكون بقربهم، أن أدرك أنهم في أمان. أفتقد لهم ولحبهم في هذا البئر من الكراهية الذي وجدنا أنفسنا فيه. يا مسيح، مازال لدي الكثير لأعيش لأجله بدل أن أموت هنا في بلد أجنبي بعيداً عنهم جميعاً. أنظر مباشرة إلى (تيم) فأرى أنه ينظر أسفل إلى الأرض. هو صورة لليأس.
كلنا نفكر في نفس الشيء، ولكننا جميعاً مرعوبين للتصريح عنه بصوت عال الآن. سوف لن نخرج من هنا أحياء. أرى (مارتن) وهو يتخلى عن كاميرته. لا جدوى. اللعنة، أعتقد أنه يستسلم. (تيم) يخبرني بأن أبقى داخل حجرة التخزين، أن أبقى ساكنة معه هو و(مارتن) لأحافظ على طاقتي. هو يقبض على جهاز الـ(بلاكبيري) خاصته، لدى كلينا صور لأطفالنا في هواتفنا، ولكننا نعلم أننا لو نظرنا إليها، فسوف لن يكون هنا سيطرة على المشاعر.
ترى هل يقوم (تيم) الآن بتوديعهم-وكل من يحبهم-في داخله؟. ياإلهي، أنا خائفة حتى أبعد نقطة في أعماقي. هل سأرى أطفالي مرة أخرى؟ هل سأموت هنا-في هذا الحجرة الصغيرة القذرة-من الخوف بعد أن فقدت صوابي؟. أقوم بإنتشال نفسي من حلقة الأفكار الخطيرة هذه، مع أنها الأسلوب الوحيد الذي يمكنني به الأداء، الأسلوب الوحيد الذي يمكنني به الإستمرار.أريد أن يعلم الناس ما يجري. أريد أن يعلم الناس ماذا يعني أن تتعرض لهجوم من آلة عسكرية ضخمة. اللعنة، أقول لنفسي؛ يتوجب علي أن أخبر الناس عن هذا. علي أن أخبر أياً كان عن هذا. هاتفي مازال يعمل. أنا متشبثة به في يدي. هم لديهم أسلحتهم، ولكن هذا سلاحي. لابد أن أوصل هذه الأخبار على الهواء.
أقوم بعدة اتصالات بلندن، يمكنهم أن يسمعوا الانفجارات في الخلفية، لكن لا أعتقد أنهم يدركون كم هي قريبة، وكم هو حجم الخطر الذي نحن فيه. أحياناً تكون الإنفجارات قوية لدرجة أنني أسمع أسئلة المذيع بصعوبة بالغة.
"من أين هم؟" يسأل (مارك لاغرست). "هل الجنود يتبعون كتيبة خميس؟، أدرك أنه ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك. أنا لا أستطيع الخروج، فمعظم الوقت لا أستطيع أن أخرج حتى من حجرة التخزين. هناك رصاص يتطاير في كل مكان. كل شخص في هذه الحجرة في حالة جمود من الخوف. نحن فقط في انتظار ما يبدو قادماً لا محالة !.
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة السادسة: إنتظار المحتوم !
لا أستطيع أن أري مخرجا من هنا، و مارتن- الذي حضر عدة حروب في الكثير من البلدان- لا يستطيع أن يري مخرجا أيضا. بووم بووم بووم. أستطيع أن أحس بدبابات القذافي المتوحشة وهي مباشرة خارج المكان الذي نجلس فيه مطأطئي الرؤوس، منكمشين على أنفسنا. الجدران الحجرية تبدو هزيلة جداً وهشة كالورق المجفف. ليس هناك دفاع ولا تحصينات على الاطلاق. يبدو أن جنود القذافي يحيطون بنا. يراودنا الشعور بأننا محشورين في الزاوية، مطوقين، وعاجزين-بشكل تام-عن الدفاع .
أصوات القصف من الدبابات مدوٍ جداً لدرجة أنها تؤذي أذنيّ. الضجيج يشبه الرعد، يهصرنا ،وتمرّ إرتجاجاته عبرنا. "أرجوكم لا توجهوا تلك الدبابة لهذا الجدار، أرجوكم" أقول متوسلةً.
الثوار في الخارج يقاتلون من أجل حياتهم وحياتنا. المدينة تتعرض لهجوم عنيف وبربري من قوات القذافي، ومن الواضح، أنه ليس لديهم الخيار، فإما أن يقاتلوا أو يتم سحنهم.
في حجرة التخزين أناس مثلنا، حوالي نصف دزينة من الذين علقوا في القتال، أو الذين فروا هنا بحثا عن ملجأ. ليس لدينا أي سلاح. هناك ولد بجانبي، ربما يكون في الخامسة عشرة، في نفس عمر إبني (نات). هو يبكي ويداه ممسكتان بأذنيه محاولة كتم الضجيج. أكبرهم رجل في الخامسة والخمسين، يحدق في المجهول أمامه، وهو يحتضن حقيبة صغيرة تحتوي على كمبيوتره المحمول. الكمبيوتر أنقذ حياته بالفعل بعد أن استقبل رصاصة مرت عبر فخذه. لقد مزقت جزءاً من جلده وهو حالياً ينزف، ولكنه جرح سطحي، لن يقتله.
نحدق أنا و(مارتن) في بعضنا البعض عبر الحجرة دون أن نقول أي شيء، ولكننا نقرأ أفكار بعضنا. يبدو عليه الرعب، مثلما أشعر تماماً.
فجأة أشعر بالحاجة لعائلتي، أريد أن أكون بقربهم، أن أدرك أنهم في أمان. أفتقد لهم ولحبهم في هذا البئر من الكراهية الذي وجدنا أنفسنا فيه. يا مسيح، مازال لدي الكثير لأعيش لأجله بدل أن أموت هنا في بلد أجنبي بعيداً عنهم جميعاً. أنظر مباشرة إلى (تيم) فأرى أنه ينظر أسفل إلى الأرض. هو صورة لليأس.
كلنا نفكر في نفس الشيء، ولكننا جميعاً مرعوبين للتصريح عنه بصوت عال الآن. سوف لن نخرج من هنا أحياء. أرى (مارتن) وهو يتخلى عن كاميرته. لا جدوى. اللعنة، أعتقد أنه يستسلم. (تيم) يخبرني بأن أبقى داخل حجرة التخزين، أن أبقى ساكنة معه هو و(مارتن) لأحافظ على طاقتي. هو يقبض على جهاز الـ(بلاكبيري) خاصته، لدى كلينا صور لأطفالنا في هواتفنا، ولكننا نعلم أننا لو نظرنا إليها، فسوف لن يكون هنا سيطرة على المشاعر.
ترى هل يقوم (تيم) الآن بتوديعهم-وكل من يحبهم-في داخله؟. ياإلهي، أنا خائفة حتى أبعد نقطة في أعماقي. هل سأرى أطفالي مرة أخرى؟ هل سأموت هنا-في هذا الحجرة الصغيرة القذرة-من الخوف بعد أن فقدت صوابي؟. أقوم بإنتشال نفسي من حلقة الأفكار الخطيرة هذه، مع أنها الأسلوب الوحيد الذي يمكنني به الأداء، الأسلوب الوحيد الذي يمكنني به الإستمرار.أريد أن يعلم الناس ما يجري. أريد أن يعلم الناس ماذا يعني أن تتعرض لهجوم من آلة عسكرية ضخمة. اللعنة، أقول لنفسي؛ يتوجب علي أن أخبر الناس عن هذا. علي أن أخبر أياً كان عن هذا. هاتفي مازال يعمل. أنا متشبثة به في يدي. هم لديهم أسلحتهم، ولكن هذا سلاحي. لابد أن أوصل هذه الأخبار على الهواء.
أقوم بعدة اتصالات بلندن، يمكنهم أن يسمعوا الانفجارات في الخلفية، لكن لا أعتقد أنهم يدركون كم هي قريبة، وكم هو حجم الخطر الذي نحن فيه. أحياناً تكون الإنفجارات قوية لدرجة أنني أسمع أسئلة المذيع بصعوبة بالغة.
"من أين هم؟" يسأل (مارك لاغرست). "هل الجنود يتبعون كتيبة خميس؟، أدرك أنه ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك. أنا لا أستطيع الخروج، فمعظم الوقت لا أستطيع أن أخرج حتى من حجرة التخزين. هناك رصاص يتطاير في كل مكان. كل شخص في هذه الحجرة في حالة جمود من الخوف. نحن فقط في انتظار ما يبدو قادماً لا محالة !.
2012-04-14
10:29

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة الرابعة : للدم رائحة خاصة، وللموت رائحة أخرى
الإصابات تزداد سوءا. أجلس في زاوية العيادة أشاهد الأطباء وهم يرون إصابات لا يستطيع أي طبيب- في أحدث المستشفيات مع أكثر المعدات تطوراً- إنقاذها. هم بالتأكيد لن يستطيعوا أن ينقذوا أحداً بهذه الكمية الضئيلة من الإمدادات الطبية. أنا جد متأكدة من أنهم لم يسبق لهم أن شاهدوا-ولا أنا بالتأكيد- إصابات مثلها، . هي إصابات من ساحة المعركة : أذرع متفجرة، أرجل مقطوعة من منتصفها، وجماجم محطمة. أحد الرجال مرشوق بالجروح لدرجة لا أستطيع أن أري مكاناً ليس مصاباً. ثيابه حمراء داكنة. الرائحة قوية، فللدم رائحة مميزة، وللموت رائحة أخرى. كلاهما في أنفي، وعلى كامل جلدي. أشعر بأنني بلا جدوي، بلا جدوى إطلاقا. لا أستطيع مساعدة هؤلاء الناس، ولا أستطيع أن أتظاهر لهم بذلك. كل ما أستطيع فعله هو مشاهدة هؤلاء الناس وهم يموتون أمامي.
رجل ضخم يأتي حاملاً علي كتفيه آخر في نفس حجمه. لابد وأن طوله أكثر من ستة أقدام. هو ضخم وقوي. يقوم بوضع الرجل المصاب إصابة بالغة أسفل على ارض العيادة، بينما يحاول الأطباء تضميد الجروح وتنظيفها. أحد المسعفين يصيح :"سائل تغذية..سائل تغذية". النبرة متواصلة ومتكررة لدرجة أحتجت لبرهة لفهم ما يقوله، فنبرته كانت عالية جداً. هو يبدو في حالة هياج. أعتقد أن سائل التغدية سوف حتى لن يمهد لمساعدة هذا الرجل. أنظر للخارج فأرى الرجل الضخم الذي أحضر هذا المصاب، وهو ينحي على كرسي-هو الوحيد في الفناء-ويتقيأ بصوت مسموع. هل هو الإجهاد؟ أم الخوف؟ أم الألم؟،ربما هو مزيج منها جميعاً.
أعود لحجرة التخزين.أشعر بحاجتي للبكاء. هل أنا وحدي من يشعر بهذا؟ لايمكن. أنا متأكدة من أننا جميعا نشعر بذلك، ولكن شيئاً ما يمنعنا. (تيم) و (مارتن) يجلسان هناك مع نصف دستة تقريباً من أشخاص آخرين. أحد الشباب يجلس على خوذة دراجة نارية وهو يقرأ القرآن، بينما يحدق الآخرون في اللاشيء، وعرق الخوف يتصبب على وجه كل واحد منا.
أنظر في اتجاه (مارتن) فأري أنه يبادلني القلق. لعله يقول الآن : هل تفكر هي فيما أفكر فيه؟. نعم أفعل. نحن نعرف بعضنا البعض بشكل جيد لدرجة أنني متأكدة من أن نفس الأفكار المفزعة تدور في رأسه الآن. هذه أكثر وضعية ميئوس منها نمر بها . نحن مقبلون على الموت.
ترجمة : عبدالدائم اكواص
الحلقة الرابعة : للدم رائحة خاصة، وللموت رائحة أخرى
الإصابات تزداد سوءا. أجلس في زاوية العيادة أشاهد الأطباء وهم يرون إصابات لا يستطيع أي طبيب- في أحدث المستشفيات مع أكثر المعدات تطوراً- إنقاذها. هم بالتأكيد لن يستطيعوا أن ينقذوا أحداً بهذه الكمية الضئيلة من الإمدادات الطبية. أنا جد متأكدة من أنهم لم يسبق لهم أن شاهدوا-ولا أنا بالتأكيد- إصابات مثلها، . هي إصابات من ساحة المعركة : أذرع متفجرة، أرجل مقطوعة من منتصفها، وجماجم محطمة. أحد الرجال مرشوق بالجروح لدرجة لا أستطيع أن أري مكاناً ليس مصاباً. ثيابه حمراء داكنة. الرائحة قوية، فللدم رائحة مميزة، وللموت رائحة أخرى. كلاهما في أنفي، وعلى كامل جلدي. أشعر بأنني بلا جدوي، بلا جدوى إطلاقا. لا أستطيع مساعدة هؤلاء الناس، ولا أستطيع أن أتظاهر لهم بذلك. كل ما أستطيع فعله هو مشاهدة هؤلاء الناس وهم يموتون أمامي.
رجل ضخم يأتي حاملاً علي كتفيه آخر في نفس حجمه. لابد وأن طوله أكثر من ستة أقدام. هو ضخم وقوي. يقوم بوضع الرجل المصاب إصابة بالغة أسفل على ارض العيادة، بينما يحاول الأطباء تضميد الجروح وتنظيفها. أحد المسعفين يصيح :"سائل تغذية..سائل تغذية". النبرة متواصلة ومتكررة لدرجة أحتجت لبرهة لفهم ما يقوله، فنبرته كانت عالية جداً. هو يبدو في حالة هياج. أعتقد أن سائل التغدية سوف حتى لن يمهد لمساعدة هذا الرجل. أنظر للخارج فأرى الرجل الضخم الذي أحضر هذا المصاب، وهو ينحي على كرسي-هو الوحيد في الفناء-ويتقيأ بصوت مسموع. هل هو الإجهاد؟ أم الخوف؟ أم الألم؟،ربما هو مزيج منها جميعاً.
أعود لحجرة التخزين.أشعر بحاجتي للبكاء. هل أنا وحدي من يشعر بهذا؟ لايمكن. أنا متأكدة من أننا جميعا نشعر بذلك، ولكن شيئاً ما يمنعنا. (تيم) و (مارتن) يجلسان هناك مع نصف دستة تقريباً من أشخاص آخرين. أحد الشباب يجلس على خوذة دراجة نارية وهو يقرأ القرآن، بينما يحدق الآخرون في اللاشيء، وعرق الخوف يتصبب على وجه كل واحد منا.
أنظر في اتجاه (مارتن) فأري أنه يبادلني القلق. لعله يقول الآن : هل تفكر هي فيما أفكر فيه؟. نعم أفعل. نحن نعرف بعضنا البعض بشكل جيد لدرجة أنني متأكدة من أن نفس الأفكار المفزعة تدور في رأسه الآن. هذه أكثر وضعية ميئوس منها نمر بها . نحن مقبلون على الموت.
2012-04-13
14:37

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
هجوم الفجر
هناك بالفعل قتال دائر في الخارج، فنحن نستطيع سماع الدبابات وهي تقترب شيئاً فشيئاً. بعض الرجال يقومون بسحب رشاشات مضادة للطائرات بعيداً، بينما يقوم آخرون بوضع بنادق آلية في زاوية الفندق. "هل تريدون الذهاب للمسجد؟" يسألنا أحد المقاتلين. ألتفت لـ(مارتن)، "ماذا تعتقد؟"، فيقول :"كروفي، إن قوات القذافي لن تحترم مسجداً". أعلم أنه محق، فقد سجلنا قيام الجيش الباكستاني باقتحام مسجد وقتل مسلحين فيه في العاصمة الباكستانية (إسلام آباد). "لكننا قطعاً سنتعرض للإصابة لو بقينا هنا" أرد. يبدو أن ذلك هو الخيار الأقل سوءاً.
لدى الرجل سيارة نقل خفيف جاهزة تنتظر في الخارج . نتكوم فيها. هي فقط مسيرة قصيرة حول الميدان إلى الجهة الأخرى حيث يقبع المسجد الصغير، ولكن الرصاص يصفر حول السيارة. نستطيع أن نرى بعض الحرائق مازالت مشتعلة بالفعل حول الميدان، حيث سقطت الصواريخ. هناك قبور حديثة لثوار قضوا في القتال، محفورة في الجزء المعشب من الميدان. المسجد يذيع عبر مكبراته عبارات مضاد للقذافي بين خطبه الدينية، ولا يبدو إطلاقاً وكأنه جنة آمنة. في الخارج مجموعات متفرقة من الناس يهتفون، يصلون، ينادون على الآخرين ليلحقوا بهم في القتال. بمجرد أن نخرج سريعاً من السيارة، أرى مباشرة أنهم قد قاموا بتحويل إحدى الحجرتين الصغيرتين إلى مستشفى ميداني. هناك حوالى ثلاثة أطباء يرتدون اللباس الطبي الأخضر في انتظار وصول الإصابات. يوجد لديهم ثلاثة أسرّة متحركة جاهزة بالفعل. ذلك تقريباً كل ما يستطيعون إدخاله ليلائم حجم الحجرة.
المسجد حقاً صغير، واحد من أصغر المساجد التي دخلتها. هناك فناء يبلغ بالكاد أربعة أمتار مربعة. هناك حجرة أخرى بنفس الحجم تقريباً مقابلة للحجرة الطبية. نقوم بفتح الباب المعدني فنرى أن هناك بالفعل بعض الأشخاص يحتمون في الداخل؛ أولاد صغار لم يبلغوا الحلم. هناك أكياس دقيق، وشوالات قمح موضوعة على الحائط، مع أواني طبخ مكومة فوقها. إنها حجرة تخزين. مباشرة في نهاية الفناء بعد هاتين الغرفتين يقع مكان الصلاة.
لم نجد الوقت الكافي للجلوس داخل حجرة التخزين حتى تم إحضار أول جريح، وفي خلال دقائق؛ يصل المزيد والمزيد منهم. أصبحت العيادة الصغيرة في وقت سريع ممتلئة عن آخرها. لدى الأطباء معدات وأدوية قليلة لعلاج الجرحى: أكياس تغذية، مورفين، وضمادات؛ هو كل ما يبدو متوفراً. الأصابات بشعة. هناك رجال برؤوس محطمة من الخلف، ولكنهم مازالوا في وعيهم يهمهمون "الله أكبر"،وهم يُحلمون من قبل أصدقاء. كيف يحدث هذا؟ كيف مازال بإمكانهم الكلام بينما أدمغتهم بائنة؟ كيف مازالوا في وعيهم بينما أستطيع أن أرى داخل جماجمهم؟.
أندفع أنا و(مارتن) بسرعة حول المكان لتصوير كل ما يمكننا، ولكن الأمر يزداد صعوبة حتى للمرور عبر الفناء الصغير. يمكننا رؤية بنادق آلية خارج المسجد مباشرة. نستطيع أن نسمع الدبابات وهي قريبة، قريبة جداً الآن. الصوت قوي لدرجة الصمم. ضجيج المعركة في كل مكان، فوقنا، على جانبينا، وخلفنا. هناك كل أنواع الضجيج- صوت الدبابات الضخم الذي يشبه الرعد، قعقعة إطلاق النار من بندقة آلية، صفير الرصاص، صوت إطلاق الصواريخ. سيمفونية مرعبة لا يمكن تخيلها. إنها مدوية ومرعبة. نحن لسنا على الخط الآمامي؛ نحن في وسط الخط الأمامي.
ترجمة : عبدالدائم اكواص
هجوم الفجر
هناك بالفعل قتال دائر في الخارج، فنحن نستطيع سماع الدبابات وهي تقترب شيئاً فشيئاً. بعض الرجال يقومون بسحب رشاشات مضادة للطائرات بعيداً، بينما يقوم آخرون بوضع بنادق آلية في زاوية الفندق. "هل تريدون الذهاب للمسجد؟" يسألنا أحد المقاتلين. ألتفت لـ(مارتن)، "ماذا تعتقد؟"، فيقول :"كروفي، إن قوات القذافي لن تحترم مسجداً". أعلم أنه محق، فقد سجلنا قيام الجيش الباكستاني باقتحام مسجد وقتل مسلحين فيه في العاصمة الباكستانية (إسلام آباد). "لكننا قطعاً سنتعرض للإصابة لو بقينا هنا" أرد. يبدو أن ذلك هو الخيار الأقل سوءاً.
لدى الرجل سيارة نقل خفيف جاهزة تنتظر في الخارج . نتكوم فيها. هي فقط مسيرة قصيرة حول الميدان إلى الجهة الأخرى حيث يقبع المسجد الصغير، ولكن الرصاص يصفر حول السيارة. نستطيع أن نرى بعض الحرائق مازالت مشتعلة بالفعل حول الميدان، حيث سقطت الصواريخ. هناك قبور حديثة لثوار قضوا في القتال، محفورة في الجزء المعشب من الميدان. المسجد يذيع عبر مكبراته عبارات مضاد للقذافي بين خطبه الدينية، ولا يبدو إطلاقاً وكأنه جنة آمنة. في الخارج مجموعات متفرقة من الناس يهتفون، يصلون، ينادون على الآخرين ليلحقوا بهم في القتال. بمجرد أن نخرج سريعاً من السيارة، أرى مباشرة أنهم قد قاموا بتحويل إحدى الحجرتين الصغيرتين إلى مستشفى ميداني. هناك حوالى ثلاثة أطباء يرتدون اللباس الطبي الأخضر في انتظار وصول الإصابات. يوجد لديهم ثلاثة أسرّة متحركة جاهزة بالفعل. ذلك تقريباً كل ما يستطيعون إدخاله ليلائم حجم الحجرة.
المسجد حقاً صغير، واحد من أصغر المساجد التي دخلتها. هناك فناء يبلغ بالكاد أربعة أمتار مربعة. هناك حجرة أخرى بنفس الحجم تقريباً مقابلة للحجرة الطبية. نقوم بفتح الباب المعدني فنرى أن هناك بالفعل بعض الأشخاص يحتمون في الداخل؛ أولاد صغار لم يبلغوا الحلم. هناك أكياس دقيق، وشوالات قمح موضوعة على الحائط، مع أواني طبخ مكومة فوقها. إنها حجرة تخزين. مباشرة في نهاية الفناء بعد هاتين الغرفتين يقع مكان الصلاة.
لم نجد الوقت الكافي للجلوس داخل حجرة التخزين حتى تم إحضار أول جريح، وفي خلال دقائق؛ يصل المزيد والمزيد منهم. أصبحت العيادة الصغيرة في وقت سريع ممتلئة عن آخرها. لدى الأطباء معدات وأدوية قليلة لعلاج الجرحى: أكياس تغذية، مورفين، وضمادات؛ هو كل ما يبدو متوفراً. الأصابات بشعة. هناك رجال برؤوس محطمة من الخلف، ولكنهم مازالوا في وعيهم يهمهمون "الله أكبر"،وهم يُحلمون من قبل أصدقاء. كيف يحدث هذا؟ كيف مازال بإمكانهم الكلام بينما أدمغتهم بائنة؟ كيف مازالوا في وعيهم بينما أستطيع أن أرى داخل جماجمهم؟.
أندفع أنا و(مارتن) بسرعة حول المكان لتصوير كل ما يمكننا، ولكن الأمر يزداد صعوبة حتى للمرور عبر الفناء الصغير. يمكننا رؤية بنادق آلية خارج المسجد مباشرة. نستطيع أن نسمع الدبابات وهي قريبة، قريبة جداً الآن. الصوت قوي لدرجة الصمم. ضجيج المعركة في كل مكان، فوقنا، على جانبينا، وخلفنا. هناك كل أنواع الضجيج- صوت الدبابات الضخم الذي يشبه الرعد، قعقعة إطلاق النار من بندقة آلية، صفير الرصاص، صوت إطلاق الصواريخ. سيمفونية مرعبة لا يمكن تخيلها. إنها مدوية ومرعبة. نحن لسنا على الخط الآمامي؛ نحن في وسط الخط الأمامي.
09:12

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة: عبد الدائم اكواص
الجـــزء الثــــــــالث : هجوم الفجر !
هجوم الفجر
يتم إيقاظنا قبل بزوغ خيوط الضوء الأولي. الطبيب قلق ويريد الرحيل. "علينا البدء في التحرك" يقول. أقف في شرفة غرفتنا في انتظار الآخرين، عندما أرى الشرارات الحمراء لبندقية آلية وهي تطلق في اتجاه الأفق. أنادي على مارتن ليحضر الكاميرا. نشاهد جميعاً فهناك مزيد من إطلاق النار ثم إنفجار دبابة. نرى سحب دخان كبيرة ترتفع من القتال المتقطع. تبتعد هذه السحب عنا بمسافة لا تزيد عن ميلين إلى ثلاثة أميال. "ذلك بالقرب من المستشفي" يقول الطبيب، "إنهم يتقدمون إلى داخل المدينة".
أتصل بالمكتب في لندن. "قوات القذافي تبدأ هجوماً على الزاوية" أخبر (كاسيا) المحررة الصغيرة المناوبة في قسم الأخبار. "هل أنتِ بخير؟" تسألني بصوت ينمُّ عن قلق شديد.
نحتاج للنزول للطابق الأرضي والخروج من هنا. نحن مثل "بط الملاهي" هنا في الدور السابع. نركض جميعاً إلى الدور الأرضي. في البهو نستطيع أن نرى ذعراً واضحاً. هناك جميع أنواع الرجال، بعضهم يبدو جنوداً، أما البقية فواضح أنهم مدنيون يرتدون سراويل جينز وقمصان قصيرة الأكمام.
نتفرج في ذعر وهم يندفعون في عجالة للتحضير للمعركة. أحدهم يعرض عليّ خوذة. أقوم بلبس الخوذة ثم أكتشف أنها ليست زائدة، بل هي له. أقوم بإرجاعها. لا أستطيع أن آخذ وسيلة الحماية الوحيدة لديه، وبالإضافة إلى ذلك؛ لا أريد أن أبدو من الثوار. الرجال مشغولون بإخراج الأسلحة ونزع أغلفتها، ثم ووضعها جانباً. هناك هرج وفوضى لدرجة أن الرمانات تتساقط والصواريخ تتدحرج على الأرضية.
أحد الرجال مشغول في شرح كيفية إستخدام الآر بي جي. ينثني على ركبتهم حاملاً قاذف الآربي جي على كتفه، يعدلها، ثم يوضح كيفية سحب الزناد. الشاب الصغير الذي كان يصغي في اهتمام لديه شعر أشعث ملتوٍ ونظارات. هو واحد من بين الكثيرين الذين يبدون كطلاب جامعة. إنه جيش من الشباب الصغار. يقول الصبي :"الله أكبر"، يمسك السلاح وينطلق للقتال.
ترجمة: عبد الدائم اكواص
الجـــزء الثــــــــالث : هجوم الفجر !
هجوم الفجر
يتم إيقاظنا قبل بزوغ خيوط الضوء الأولي. الطبيب قلق ويريد الرحيل. "علينا البدء في التحرك" يقول. أقف في شرفة غرفتنا في انتظار الآخرين، عندما أرى الشرارات الحمراء لبندقية آلية وهي تطلق في اتجاه الأفق. أنادي على مارتن ليحضر الكاميرا. نشاهد جميعاً فهناك مزيد من إطلاق النار ثم إنفجار دبابة. نرى سحب دخان كبيرة ترتفع من القتال المتقطع. تبتعد هذه السحب عنا بمسافة لا تزيد عن ميلين إلى ثلاثة أميال. "ذلك بالقرب من المستشفي" يقول الطبيب، "إنهم يتقدمون إلى داخل المدينة".
أتصل بالمكتب في لندن. "قوات القذافي تبدأ هجوماً على الزاوية" أخبر (كاسيا) المحررة الصغيرة المناوبة في قسم الأخبار. "هل أنتِ بخير؟" تسألني بصوت ينمُّ عن قلق شديد.
نحتاج للنزول للطابق الأرضي والخروج من هنا. نحن مثل "بط الملاهي" هنا في الدور السابع. نركض جميعاً إلى الدور الأرضي. في البهو نستطيع أن نرى ذعراً واضحاً. هناك جميع أنواع الرجال، بعضهم يبدو جنوداً، أما البقية فواضح أنهم مدنيون يرتدون سراويل جينز وقمصان قصيرة الأكمام.
نتفرج في ذعر وهم يندفعون في عجالة للتحضير للمعركة. أحدهم يعرض عليّ خوذة. أقوم بلبس الخوذة ثم أكتشف أنها ليست زائدة، بل هي له. أقوم بإرجاعها. لا أستطيع أن آخذ وسيلة الحماية الوحيدة لديه، وبالإضافة إلى ذلك؛ لا أريد أن أبدو من الثوار. الرجال مشغولون بإخراج الأسلحة ونزع أغلفتها، ثم ووضعها جانباً. هناك هرج وفوضى لدرجة أن الرمانات تتساقط والصواريخ تتدحرج على الأرضية.
أحد الرجال مشغول في شرح كيفية إستخدام الآر بي جي. ينثني على ركبتهم حاملاً قاذف الآربي جي على كتفه، يعدلها، ثم يوضح كيفية سحب الزناد. الشاب الصغير الذي كان يصغي في اهتمام لديه شعر أشعث ملتوٍ ونظارات. هو واحد من بين الكثيرين الذين يبدون كطلاب جامعة. إنه جيش من الشباب الصغار. يقول الصبي :"الله أكبر"، يمسك السلاح وينطلق للقتال.
2012-04-12
08:45

تأليف : أليكس كروفورد (مراسلة سكاي نيوز)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
في كل أرجاء المكان الناس يتساقطون ويصابون। أطلاق النار عشوائي لا نهاية له، لا نهاية له إطلاقاً. الرجال يفرون بحياتهم، الأحذية تتنتاثر وهم يحاول في هياج أن يتفادوا إطلاق النار. بعضهم يصيح فينا وهم يمرون :" هذا هو القذافي"، "شاهدوا ما يفعله لنا". كثيرون غاضبون ويصرخون باتجاهنا أو أي شخص يستمع. البعض الآخر يبدون في صدمة، يمرون علينا مسرعين دون وجهة محددة، يكررون النظر وراءً إلى الدبابات، والجنود خلفهم مازالوا يطلقون النار. يتم جلب الرشاش المضاد للطائرات التابع للثوار وتطلق النار باتجاه الدبابات. لقد شعرنا بالهلع عندما بدأ بالضرب . يحدث الرشاش صوتاً مدوياً خصوصاً وهو قريب منا جداً. يتم إطلاق بعض الرشقات، ولكن ذلك يؤدي في الحال لمفعول عكسي ، حيث أنه تسببت في زيادة إطلاق النار من خطوط القذافي. الناس مازالوا يمرون بمحاذاتنا. نحن نتفرج فقط، متشبثين بالحائط، ومنكمشين بالقرب من بعضنا بينما يستمر هذا المشهد من الفوضى المخيفة المجنونة. بهذه الكم من إطلاق النار لابد أن يكون هناك الكثير من الإصابات، أكثر مما نراه بالفعل أمامنا. نستطيع رؤية العديد منها، ولكن الجسر يعيق مجال الرؤية أمامنا، ولا نريد المجازفة بالخروج إلى منتصف الطريق حيث يتناثر الرصاص.
مع ذلك يزداد عدد السيارات التي تمر بمحاذاتنا، تصدر صريراً، تقوم بإلقاء الجرحى داخلها وتغادر. نحتاج للذهاب للمستشفى. هناك رجل يترنح وهو متجه نحونا، مع طلقة رصاصة في صدره، يساعده صديقان على الانتصاب .يسحبونه حيناً، ويحملونه حينا آخر. تقف سيارة إسعاف، فيقوم (مارتن ) باللحاق بالمصاب الذي يهمهم "الله أكبر". يصعد إلى السيارة، فأتكوم فيها بعده. أنظر للخلف فأرى (تيم) على الرصيف، "أراك في المستشفى" يقول لي صائحاً.
هذه أول مرة نرى فيها دليل ملموس على قيام قوات القذافي بإطلاق النار على مدنيين عزل ، أول مرة نكون فيها شهوداً على وحشية النظام. يبدو ذلك قبيحاً وشريراً، ومن جانب واحد، لدرجة أشعر معها بالتردد-مع أن من واجبي ذلك-في ذكر العدد البسيط من الأسلحة الذي شاهدناه وسط حشد من الآلاف من المتظاهرين؛ لأن ذلك قد يعطي انطباعاً خاطئاً. لقد كانوا أناساً جلهم غير مسلحين، وغير قادرين على الدفاع، يتظاهرون ويهتفون فقط. أي نوع من الرجال، أي نوع من القادة، أي نوع نوع من الأنظمة؛ ذلك الذي يأمر بإطلاق النار على مئات من رجال بلده، بما فيهم الأطفال؟. هذا ليس تفريقاً للحشود ؛ وليس شيئاً آخر سوى إطلاق النار للقتل والتشويه والجرح والترويع. أنه لمن الصعب أن تشعر بأي شيء سوف التعاطف والخوف على هؤلاء الناس العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
(يتبع)
ترجمة : عبدالدائم اكواص
في كل أرجاء المكان الناس يتساقطون ويصابون। أطلاق النار عشوائي لا نهاية له، لا نهاية له إطلاقاً. الرجال يفرون بحياتهم، الأحذية تتنتاثر وهم يحاول في هياج أن يتفادوا إطلاق النار. بعضهم يصيح فينا وهم يمرون :" هذا هو القذافي"، "شاهدوا ما يفعله لنا". كثيرون غاضبون ويصرخون باتجاهنا أو أي شخص يستمع. البعض الآخر يبدون في صدمة، يمرون علينا مسرعين دون وجهة محددة، يكررون النظر وراءً إلى الدبابات، والجنود خلفهم مازالوا يطلقون النار. يتم جلب الرشاش المضاد للطائرات التابع للثوار وتطلق النار باتجاه الدبابات. لقد شعرنا بالهلع عندما بدأ بالضرب . يحدث الرشاش صوتاً مدوياً خصوصاً وهو قريب منا جداً. يتم إطلاق بعض الرشقات، ولكن ذلك يؤدي في الحال لمفعول عكسي ، حيث أنه تسببت في زيادة إطلاق النار من خطوط القذافي. الناس مازالوا يمرون بمحاذاتنا. نحن نتفرج فقط، متشبثين بالحائط، ومنكمشين بالقرب من بعضنا بينما يستمر هذا المشهد من الفوضى المخيفة المجنونة. بهذه الكم من إطلاق النار لابد أن يكون هناك الكثير من الإصابات، أكثر مما نراه بالفعل أمامنا. نستطيع رؤية العديد منها، ولكن الجسر يعيق مجال الرؤية أمامنا، ولا نريد المجازفة بالخروج إلى منتصف الطريق حيث يتناثر الرصاص.
مع ذلك يزداد عدد السيارات التي تمر بمحاذاتنا، تصدر صريراً، تقوم بإلقاء الجرحى داخلها وتغادر. نحتاج للذهاب للمستشفى. هناك رجل يترنح وهو متجه نحونا، مع طلقة رصاصة في صدره، يساعده صديقان على الانتصاب .يسحبونه حيناً، ويحملونه حينا آخر. تقف سيارة إسعاف، فيقوم (مارتن ) باللحاق بالمصاب الذي يهمهم "الله أكبر". يصعد إلى السيارة، فأتكوم فيها بعده. أنظر للخلف فأرى (تيم) على الرصيف، "أراك في المستشفى" يقول لي صائحاً.
هذه أول مرة نرى فيها دليل ملموس على قيام قوات القذافي بإطلاق النار على مدنيين عزل ، أول مرة نكون فيها شهوداً على وحشية النظام. يبدو ذلك قبيحاً وشريراً، ومن جانب واحد، لدرجة أشعر معها بالتردد-مع أن من واجبي ذلك-في ذكر العدد البسيط من الأسلحة الذي شاهدناه وسط حشد من الآلاف من المتظاهرين؛ لأن ذلك قد يعطي انطباعاً خاطئاً. لقد كانوا أناساً جلهم غير مسلحين، وغير قادرين على الدفاع، يتظاهرون ويهتفون فقط. أي نوع من الرجال، أي نوع من القادة، أي نوع نوع من الأنظمة؛ ذلك الذي يأمر بإطلاق النار على مئات من رجال بلده، بما فيهم الأطفال؟. هذا ليس تفريقاً للحشود ؛ وليس شيئاً آخر سوى إطلاق النار للقتل والتشويه والجرح والترويع. أنه لمن الصعب أن تشعر بأي شيء سوف التعاطف والخوف على هؤلاء الناس العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
(يتبع)
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


