التدوينات محمية وموثقة

MyFreeCopyright.com Registered & Protected

ملف التعريف

صورتي
عبدالدائم اكواص
شاعر وكاتب ليبي مقيم في لندن
عرض الوضع الكامل الخاص بي

ليبيا في دمي

ليبيا في دمي

آثار طفل في الرمال

آثار طفل في الرمال

أدباء من ليبيا

أرشيف أمواج

2009-05-07




" أوزيريس : ما أعظمُ عمل يستطيع الإنسان أنْ يفعله ؟
حورس : الثأر " *

أختار يوماً بارداً و غائماً لأمرَّ على الحقل القديم، أرتدي وجهي القديم، وعينيَّ القديمتين، و أنتعلُ الذاكرة، أستسلمُ لمشيئة قدري فأمشي راضخاً على أشواك الماضي، ويداي تتحسّسان الدرب في ضبابية الحاضر المضمحل. تعترضُ طريقي شجرةُ زيتون ٍتضربُ بجذورها في الأزل، أقترب منها، ألفُّ حولها مرةً...مرتين...عشر، أنتزعُ منها غصناً يابساً؛ أغرسه في التراب متحسّساً خطوات من مرّوا هنا، أحاولُ أن أرسم خطاً يحيط بظلّي؛ في كلِّ مرة ٍيظهرُ الخطُّ متعرّجاً، أزيدُ من ضغطي على الغصنٍ، يعلقُ شيءٌ ما في الغصن فأُلقيه؛ لأنبش بيديَّ التراب بحثاً عن ذاك الشيء، ألمسُهُ ثم أُخرجُهُ، أكتشفُ أنّه حذاء ٌقديم مغطى بالثرى، أنفُضُ عنه الثرى، وألـمّعه بيديَّ فيبدو قبيحاً في نظافته، أُلقيه ورائي ثمّ أنهضُ وفي قدمي وخزُ جرحٍ لم يندملْ !.
أحاولُ العودة من حيث أتيتُ، أتتبّعُ آثار خطواتي في التراب، أُلاحظُ أنّ بعضها قد اختفى، ينتابني شعورٌ بالخوف والضيق...( هل تُراني أضعتُ دربي؟)، أشعرُ برعشة تجتاحُ أطرافي، وبرغبة ٍشديدة ٍفي البكاء ...أتذكّرُ دليلي النحيف ...الغصن، أعودُ أدراجي راكضاً، أبحثُ عن الغصن في كلّ شبر ...(ها هو هناك) تصيحُ كلُّ خليّة في جسمي ...و لكن ... ولكن أين ذاك الحذاء ؟، يبدو أنّ أحدهم قد أخذه، أرى آثار قدمين حافيتين؛ أتبعُها، أُلاحظُ أنّ شكل الأثر قد تغيّر، يبدو أنّ الـ(أحدهم) قد انتعل الحذاء، وفجأة ...تظهر أمامي بقايا حذاء قديم ٍممزَّق، وآثارُ قدمين حافيتين ترافقها قطراتُ دم ٍلم يجف بعد !.
بعد هذه الملاحقة اللاّمُجْدية؛ أشعرُ بالتعب وبالحاجة للاستلقاء، أُشْهِرُ الغصن أمامي، وأتبعه إلى شجرة الزيتون، وحالما أصلُ أضع الغصن جانباً، و أجلس متكئاً على جذعها .
تخفُّ حدّةُ الرهج ...و تهدأُ الأنفاس، أتجهُ بعينيَّ إلى الجانب الغربيّ من الحقل، أتسلّقُ ببصري السور القديم إلى شجرة السرو الكبيرة...إلى الأفق ... إلى ... فأرى ...!!!...
أرى سماءاً في متناول الحُلُم، وطفلاً يرقصُ على جناح نورسٍ، ويقبضُ الغيوم بأنامله الغضّة البيضاء ...أرى بياضاً يسيّجُ المدى ويؤثّثُ المشهد، أراه فأتذكّرُ زَبَدَ الموج إذ يتكسّر عند أقدام الصخور، وأتذكّرُ نصل السكين وهو يعكسُ ابتسامة القتيل، وبياضَ عينيْ القاتل !....أرى وجه أبي مُكفهراً و هو يصرخُ بي :" كنْ رجلاً...كنْ أنتَ...و لا تكنْ سواك.."...أرى زهرةً تتفتّحُ من شفة الجرح، ودمعةً تُورقُ من حواف الخطوات .... أرى شُهُباً تبتسم في سماء مُخيّلتي، وتدعوني لأرافقها في رحلة أبديةٍ صوب الحقيقة...صوب المطلق .... أرى ما أرى .. و ما لا أرى !.
أحسُّ بجفافٍ شديد في حلقي وبالعطش، أنهضُ متثاقلاً، و أسيرُ صوب البئر القديم، أنحني على فوهته، يستفزّني خواء الدلو وصمته ، مازال هنالك ماء ٌفي قاع البئر، الماء يبدو قريباً بشكلٍ يثيرُ الريبة، أُمْعنُ النظر في صفحة الماء.. ربما متفحّصاً ..أو ربما باحثاً عن إجاباتٍ شافية لأسئلة ٍكثيرة ٍمازالتْ- كالدلو- عالقةً في منتصف الحلْق، أستمرُّ في تمعّني في صفحة الماء، أرى وجهي القديم ضاحكاً، ومن خلفه تبدو السماء شديدة الزُّرقة، ينتابني فضول مُلحٌّ لأرى السماء فوقي، أنفضُ هذا الشعور بسرعة مُذكّراً نفسي بأنّ اليوم غائمٌ و لولاه لما كنتُ هنا، أعيد النظر إلى صفحة الماء، مازال وجهي هناك، ومازالتْ السماءُ شديدةَ الزرقة خلفه، تتجمّدُ الثواني عند ذلك المشهد، تمرُّ بعضُ السحب البيضاء في كسلٍ؛ فتكسر هذا الجمود المشهديّ، تنعكسُ ظلالها على وجهي، يمرُّ سربٌ من النوارس مسرعاً، أتذكّرُ ذلك الطفل؛ ينتفضُ القلبُ لهفةً، ويتأجّجُ الدمُ في عروقي، فأحاول أنْ ألحقَ بالسرب قبل أنْ يختفي، أُحلّق - أو أهوي- نحوهُ ...يقتربُ و جهي من وجهي ، تلسعني برودة الماء...فأستيقظ !.
___________________________
*من أسطورة أوزيريس

3 التعليقات:

غير معرف يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أوزيريس: ما أعظمُ عمل يستطيع الإنسان أنْ يفعله ؟

حورس : الثأر!

صابرة : أعظم عمل هو ما أنجزته حضرة الوالدة لملمة الحياة !!

أخي عبد الدائم
أحسدك علي جواريرك التي ما تزل تحوي عتيقك :عينان, قدمان وذاكرة !!
بالنسبة لي ,في خلسة من العائلة مررتها لأول متسول طرق باب الدار...لأكتشف بعدها أنها غابت عن حيزها المكاني في خزانتي لتسرح جيئة وذهابا- شامتة بي -في تخوم الحلم!!
كل ما خلوت بنفسي متناسية جمال الواقع المتوجة فيه ملكة يجذبني الماضي ممسكا بأذني هامسا:فقط تركناك لأنك صابرة...
حلمك كان دعوة صباحية لتذكر أيام الصبا
استيقظت منه أنت لكن ....

صابـــرة

NuNa يقول...

السلام عليكم,,
لا تزال تدويناتك تغذي الروح و الاجمال و الروع
شكرا استاذي

غيداء يقول...

" أوزيريس : ما أعظمُ عمل يستطيع الإنسان أنْ يفعله ؟
حورس : الثأر "

اعتقد إن الثأر يردع البعض

( تلسعني برودة الماء...فأستيقظ !.
)

أحيانا هناك أشياء تلسع أكثر من الماء البارد توقظنا من أحلامنا

إرسال تعليق