ملف التعريف

صورتي
عبدالدائم اكواص
شاعر وكاتب ليبي مقيم في لندن
عرض الوضع الكامل الخاص بي

التدوينات محمية وموثقة

MyFreeCopyright.com Registered & Protected

ليبيا في دمي

ليبيا في دمي

آثار طفل في الرمال

آثار طفل في الرمال

أرشيف أمواج

2009-05-27

نونٌ لنبدأ قصّةً لا تنتهي ...
نفْسٌ سيحملها الرحيلُ و لن تفارقَ أمسها ...
نصٌّ سيخلق ذاتَه من ذاتِه ؛ و يعيدُ غربلةَ الحروف ِعلى ثنايا الأسئله ...
نعشٌ سنحمله اعتذاراً للحياة الممكنه ...
نقشٌ ستنحته العيونُ على خواء الأمكنه ...
نورٌ يسافر في غبار الراقصين على خراب ِالأزمنه ...
نصلٌ سينـزف حين يبتسمُ القتيلُ ،
و حين تهوي المقصله .

*

ناحت الرّيحُ ؛ افترقنا ..و المراكبُ هائمه ...
في القلب ِمرساةٌ ثقيله .
و الشواطئ ُغائمه .

ناحت الرّيحُ ؛ اختلفنا .. و الحقيقةُ واحده ...
لا ظلَّ يختصرُ المسافة َ، لا رؤى ...
ستزيلُ فوضى ما أرى ...
و تعيدُ نبض َالأفئده .

*

و مضيتُ أجترُّ السؤالَ على رماد المعركه ...:
" من أنا بعد الهزيمة يا تُرى ؟...
أأنا الشهودُ ؟ أم الشهيدُ ؟
أأنا القتيلُ ؟ أم الوليدُ ؟
"

*
نونٌ لنغرسَ خنجراً في قلب ِشاعرنا الغريق ...
نونٌ لنسألَ جرحهُ :
" من أينَ يأتيكَ البريق ؟ "

*
نقتاتُ من حُلْم ٍ سيهوي عند مفترقِ الطرقْ ...
نقتاتُ من جمْر الحنين ِ، نعبُّ من ماء ِالقلقْ ...
و نخافُ من لوم المشاهد ِ، و المشاهدُ تحترقْ ...
و نتيهُ في حمّى التساؤل و الأرقْ ...:
" هل نحن حقّاً تائهون ؟ أم النّفقْ ؟...
هل نحن أغصانُ الخريف ِأم الورقْ ؟...
هل نلتقي إذ نلتقي أم نفترقْ ؟
..."

*
و رأيتُ حزناً في عيونك ِيختنق ...:
-" هل نلتقي- يا سيّدي- كي نحترق ؟ "
-" بل نلتقي كي يستمرّ نشيدُنا ..."
-" و هل الفراقُ نشيدنا ؟ "
- " بل عودُنا ...
مثلُ الورود ِوجودُنا ، و غيابنا مثلُ العبق
"

*
نصفٌ أنا و الليلُ نصفُ ...
و الذكرياتُ تساقطتْ ...
لكأنّها في الصّدر قصفُ ...
و الحزنُ عرسٌ صاخبٌ ...
طبلٌ ، و راقصةٌ ، و عزفُ !
جرحٌ أنا ... و الشعرُ نزفُ

*

نونٌ لنرتكبَ الحياة َعلى ضفاف ِالموت
نرتدي فرحاً قديماً حين تُورقُ عشبة ٌ،
أو حين ترقصُ سُنبله
ننثرُ (العقدَ الفريدَ) على شظايا القنبله !

*
صَدَفٌ من الشوق ِالمسيَّج ِبالصُّدَف ...
صُدَفٌ من البوح ِالمرتَّل في الصَّدَف ...
موجٌ يلاحقُ نورساً ،
و البحرُ كفّْ .

*
و أرى سؤالاً في عيونكِ قد نطقْ ...:
-" من أنتَ يا هذا الألقْ ؟ ".
- " ماءٌ بأطرافِ الحريقْ ...
قشٌّ يفكّرُ في الغرقْ !
."

*
أنا من رأى ليلاً يطلُّ من الشموس ِالغاربات ِبلا أفقْ ...
أنا من رأى موتاً يلوّنه الشفقْ ...
سأظلُّ أسبحُ في صداي ...
سأظلُّ أنزفُ في خُطاي ...
سأظلُّ مُعتنقاً رؤاي ...

*
و عليَّ أنْ أنسى فقط !
أنسى لأبعثَ دفقةَ الشلاّل في الشريان
أنسى لينفصلَ الزمان ...
أنسى لينتفضَ المكان ...
و لكي يعجَّ مساؤنا بالياسمين ِو بالحبقْ
و عليَّ أنْ أضعَ النقط .

*
أصغي لحزن ٍفي دموعك ِقد بدا ...:
" ذهبتْ أغانينا سُدى ...
ذاب الصهيلُ مع الصدى ...
أنتَ الذي نثر الندى بين الورودِ ...
الآنَ تغتالُ الندى ؟
"

*

و عليَّ أنْ أنسى فقط
أنسى لأجمعَ حلمي المنثورَ في كلّ الأماكن ...
و عليّ أنْ أنسى الوجوهَ ، عليّ أنْ أنسى المدافن ...
و عليَّ أنْ أحيا فقط !

*
مستسلماً لصدى خطاي أظلُّ أقترفُ الدروب…
كالنردِ أمستْ وجهتي…
لا حدْسَ لي إلاّ النسائمُ و الغروب
لا حُلْمَ لي إلاّ البياض
لا أرضَ لي إلاّ الهبوب !

*
هذا أنا من ربع ِقرنٍ ، ربما من ألف ِعام
جِيْدٌ على نصلٍ ينام
صمتٌ على نعش ِالكلام
و أنا ظلالٌ وارفة...
و أنا طيورٌ واجفة...
و أنا ثمارُ العاصفة...
و أنا المليءُ بوحدتي حدَّ الزحام .

*

أعلى من الريّح اشتهائي للسلامْ…
لقصيدةٍ معزوفة بين النوارسِ و الغمامْ…
و للسعةِ الماءِ النميرِ ، و للحمامْ…
لحبيبةٍ تستلُّ خنجرَ عطرها ؛ فتسيل أوردةُ الرّخامْ…
فمتى سيلتئمُ الحطامْ ؟

*
نونٌ لنحيا في فضاء المستحيل
موجاً ، و ريحاً صارخاً : " عمّا قليل...
نأتي إلى أيامنا ...
و نعانق الفجر الصقيل ".







2009-05-22


بقلم : رامز رمضان النويصري**


-1-
لازلت أذكر اصطحاب ابن عمتي "صالح" لي والذهاب إلى وسط البلد (النزول للمدينة) للترجل والفسحة (التدهوير) ومشاهدة أحد الأفلام السينمائية، كانت الرحلة تبدأ بنزولنا الشارع (شارع بن عاشور-تقسيم التواتي، حيث نسكن) حتى وصولنا إلى (جامع عمورة) حيث محطة الحافلات منتظرين الحافلة البرتقالية اللون (اللاتيبوس)1 تحت التوتة أمام دكان "عمي بشير". تأتي الحافلة، وكالعادة نصعد من الباب الخلفي ليقبلنا محصل التذاكر (البوليطاي) وندفع 15 قرشاً2 _طبعاً ابن عمتي من يدفع_، نعم 15 قرشاً منها 5 قروش نصف تذكرة لي، وأحياناً أركب مجاناً، وكان محصل التذاكر يجلس إلى كرسي وطاولة عند يمين الباب الخلفي بعد صعودنا درجتي الباب، وكنت أراقب طريقته في قطع التذاكر، إذ كان يمرر سبابته على لسانه ويسحب التذكرتين بسرعة عجيبة، لتبدأ الحافلة رحلتها من أمام (جامع عمورة) بشارع (بن عاشور) إلى (ميدان القادسية) إلى (الضهرة أو الظهرة) إلى (الكورنيش)-طريق الشط، قبالة (الساحة الخضراء) (ميدان الشهداء) حيث ننـزل من الباب الأمامي، لتبدأ رحلتنا في مركز المدينة.
أما رحلة العودة فهي ما كانت تذهلني في كل مرة، فالعودة كانت تبدأ من محطة (السرايا) كما كنت أسميها (وربما كانت تسمى بهذا الاسم، لا أدري؟)، فشارع (الكورنيش) القديم كان يمر إلى حيث بوابة (متحف السرايا الحمراء) في الوقت الحالي، كنا ننتظر حافلة الإياب هناك، حيث ما يذهلني كل مرة، إنها التماثيل الرخامية العالية التي تصطف خلف حاجزٍ حديدي _وعند سؤالي ما كان من إبن عمتي "صالح" إلا بأن أخذني ذات صباح لزيارة المتحف_، حتى تأتي الحافلة لنركب في رحلة العودة، لنتركها قبالة محطة ركوبنا قبل أن تنحرف يميناً عند الإشارة الضوئية لشارع (الجرابة) مستمرةً في مسيرتها حتى مفترق (سيدي المصري) دائرةً يساراً باتجاه (رأس حسن)، ومنها ركبت الحافلة ذات مرة رفقة صديقي "عبدالرؤوف الهديلي" لوسط البلاد.
ظلت هذه الحافلة تعبر (شارع بن عاشور) حتى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، حيث كنت ومجموعة من الأصدقاء نستخدمها للذهاب للمدرسة والعودة (حيث كنت أدرس بمدرسة (أحمد رفيق المهدوي الإعدادية) بمنطقة الضهرة)، وكثيراً ما كنت أستخدم محطة الحافلات المقابلة لجامع (سيدي عبدالغني). وكانت الحافلات في هذا الوقت مزودة بآلة تحصيل آلية، تدفع بالـ10 قروشٍ داخلها فخرج التذكرة، وينغلق الباب من ورائك.
أما أمتع هذه الحافلات فكانت المزدوجة (الدّبل)، فكنت من عجبي أقف عند الفاصل أراقب كيف يدور عند التفاف الحافلة. وفي ذات الفترة بدأت سيارات الأجرة (البيجو 504) التي كانت في بدايتها تعمل بأجرة ربع دينار3 (تاكسيات ربع)، والتي فجأة حولت أجرتها إلى النصف دينار (خمسين قرش)، وكنا نطلق على سائق سيارة الأجرة هذه (عدوّ الربع) كون الربع دينار كان الأجرة المعتمدة على كل الخطوط، لكن المميز أن سيارات الأجرة هذه على خط (بن عاشور) _حيث نسكن_ لم تتبع خط الحافلة (اللاتيبوس)، فكان ثمة خطان عاملان، الأول كان ينحرف عن الإشارة الضوئية لـ(شارع الجرابة) والثاني يستمر حتى (الفرناج)4 وهو الذي استمر حتى الآن. ومما أذكره أننا كنا نستخدم حافلة خط (الفرناج) للقيام برحلاتنا الكشفية إلى غابة (خالد بن الوليد)5 التي تحولت إلى مزارع وإقطاعات فيما بعد.
قبل أيام عند عودتي للبيت حيث أسكن الآن، وجدت أنه على الرصيف توجد حافلة برتقالية اللون تحمل شعار شركة النقل، في حالة جيدة معلقة عليها ورقة كتب عليها (للبيع أو الإيجار، اتصل على الرقم....). وقفت أمامها مسترجعاً رحلة من أجمل ما عشت، لأقطع الطريق صوب الأفيكو6، بنية أن أبدأ الحديث.

-2-



الحافلة البرتقالية (النسرافة)7 اختفت من الشوارع، وما عاد لها من أثر، في نفس الوقت كانت سيارات الأجرة (البيجو 504)-7 راكب، وحافلات (التيوتا-المازدا)-24 راكب، تأخذ مكانها في الشوارع معوضة حاجة المواطن للنقل بعد أن تخلت الدولة عن دورها، لتدخل الحافلات الصغيرة (الميكروباصات) ومن بعدها سيارات الأفيكو (الصغيرة، والكبيرة). هذه الحكاية لم تأخذ الوقت الكبير حتى صارت الأفيكو ملكة الشوارع والطرق، للتكون وسيلة المواصلات الأولى في ليبيا، تقطع المسافات الطّوال8، الطرق المعبدة وغير المعبدة، تنـزل الوديان، وتصعد الجبال، وأسأل نفسي كيف استطعت أكثر من مرة السفر بها واحتمال اهتزازاتها العنيفة وصلابة كراسيها، وثقل الهواء بداخلها خاصة فصل الصيف، فكيف بالذين كانت وسيلتهم للسفر إلى بنغازي أو سبها (كان الله في عونهم). لقد أثبتت هذه السيارة قدرة لا مثيل لها في التكيف مع متطلبات وحاجة النقل في ليبيا، أو ربما وجدت نفسها مرغمةً على تلبية هذه المتطلبات وإلا خرجت خارج السباق، من سيارة لنقل الطلاب إلى المدارس والرحلات، إلى مواكب الأفراح لنقل صديقات العروس وأهلها إلى الحمام، أو إلى الصالة، وإلى أشكال أخرى من الاستخدام نغض الطرف عنها مخافة الإحراج.
وفي صورة موازية، مثلت الأفيكو الحل الأمثل لأكثر من عائلة ليبيا كمورد للدخل، فاستطاعت أن تنقذ أكثر من عائلة وتقدم لها الاحتياجات والكماليات، حتى إن السيارة الواحد فتحت أكثر من بيت، وأطعمت العائلة والعائلتين. هذا نشّط في الخلفية سوق السمسرة فراح بعض القادرين إلى تسيير مجموعة من سيارات الأفيكو للتأجير، فأوجدوا نظام العمل باليومية، والحصة، وعندما تحركت سوق الأفيكو ارتفع سعرها وضرب في العالي، وازدحمت بها المحطة فنشأت حولها طبقة الفراشة، أو باعة الشوارع الذين اتخذوا من المحطة منطقة لبيع بضائعهم، التي تنوعت واختلفت من المواد الغذائية _الجاهزة والمعلبة_، إلى الملابس، والملابس الداخلية، الأشرطة والأقراص المدمجة والمضغوطة، الكتب، القرطاسية، الأجهزة الكهربائية، وغيرها الكثير وكما يقال (م لْـيـبرة للصاروخ). وقريباً أكثر من باب سيارة الأفيكو تسمع من ينادي: نفر السوق/ نفر عرادة/ نفرين بن عاشور.
إنها طبقة المنادين على الركاب، والجميل أن لكل منادي منطقته الخاصة أو سياراته الخاصة التي يناديها، ويتم التفاوض والتفاهم فيما بين المنادين بحيث لا يتعدى بعضهم على بعض، وإلا تحول الأمر إلى مشاجرة ومشادة (تسيل فيها الدماء)، وقد يورث بعضهم الأماكن لبعض، كأن يترك أحدهم مكانه لأخيه، لأنه تحول إلى سائق سيارة أفيكو أو ميكروباص (يعني ترقى)، يكون أجرها باليومية أو برسم ثابت يتم الاتفاق عليه، وعندما تمتلئ السيارة، يميل المنادي على صاحبها/سائقها:
- آه.. ما تقوليش عبيتك 10 جراو.
والـ(جرو) لمن لا يعلم صغير الكلب، ليقبض عنها/عنّا نصف دينار.
ولأنها ملكة الشوارع، فعليك الحذر من القيادة بالقرب منها، فهي وتناور للاجتياز وتستطيع وهي ذات الـ16 كرسياً أن تحمل 23 شخصا وربما أكثر لو استخدمت لنقل تلاميذ أحد المدارس الخاصة، وتتمايل بهم في حركات راقصة، وهذه مهارة يحسد عليها سائقي الأفيكو صغار السن الذين يستجيبون لطلبات الزبائن لحظة نقهم (يمينك يا سواق)، فتتوقف الأفيكو في اللحظة، لينزل الراكب العزيز (أو الربع دينار _وهو ثمن ما يدفعه الراكب عادة_)، وعندما تتوقف الأفيكو لا تهتم بالسيارات الأخرى التي باتت تدرك ما يعنيه حظها العاثر الذي يجعل من الأفيكو رفيقة طريقها. ووصفي لراكب بالربع دينار، هي حقيقة من فم سائق الأفيكو، فهو لا يرى أن عمله كسائق لوسيلة مواصلات عامة _والأصح خاصة_ هو في أساسه خدمة للزبائن، لذا فإن عليه احترامهم وتقديم ما يلزم لتوفير الراحة وتأوين نقلة جيدة، فهو على العكس ينظر للراكب كربع دينار يضاف للأرباع التي في الأفيكو، فلا يهمه أن يحشر السيارة بأكثر من العدد المسموع، وأن يقول للركاب، إذا اقترب من دورية مرور:- طبسوا _طأطئوا_، في مرور قدامنا.
كما إن أصحاب سيارات الأفيكو أو السائقين يعملون كأدللاء ومرشدين، فيكفي ذهابك للمحطة (أو المكان الذي تقف فيه الأفيكو) والسؤال عن الوجهة أو المكان الذي تريد خاصة لو كان جهة إدارية، وستجد الجواب يأتيك مفصلاً، بالطريقة والكيف، وقد يعطيك السائق المزيد، فيعلمك بالتوقيت المناسب، أو الأوراق المهمة التي لابد من تجهيزها، وإن حدث وتم انتقال أحد الجهات إلى مكان آخر _وهذا كثير الحدوث_، فما عليك إلا سؤال أول سائق أفيكو:- بالله يا خوي، ما تعرفش وين حولوا البلدية.
وصدقني، سيعرض عليك السائق الركوب معه مجاناً خاصة لو كنت شيخاً، ليوصلك إلى أقرب نقطة أو إلى المحطة للركوب إلى مقصدك من بعد. أما بخصوص الركوب المجاني، فهذه شهامة يشكر عليها سائقوا الأفيكو، فهم يسمحون لكبار السن والعجزة والتلاميذ الصغار بالركوب مجاناً في الكثير من الأوقات. كما إنهم يقدمون أكثر من ذلك، فقد يختصر السائق الطريق في حال الازدحام أو انغلاق الطريق بسبب المطر. ولو كنت شيخاً فإنه قد يوصلك للمكان أو أقرب نقطة، ويقوم بمساعدتك لعبور الطريق ومدك بنصف دينار لركوب أفيكو آخر (وهذه الحادثة كنت شاهد عيانٍ عليها، وحدثت من شيخٍ على خط الفرناج-ذات العماد).
-3-
ومن المفارقات التي أو جدتها الأفيكو، لغة الإشارات التي يتفاهم بها الركاب الواقفون على الطريق وأصحاب الأفيكو. فعلامة النصر (V) تعني السؤال إن كانت الأفيكو تقصد منطقة (السبعة)؟. أما بسط الكف ورفعه للأعلى هي إشارة إلى (طريق المطار)، أما إنزال السبابة للأسف وإدارتها، فأنت لا شك تقصد (جزيرة الفرناج) أو أي جزيرة دوران في الخط، أما لو وقفت إلى (ميدان الغزالة)، وأشرت بكفك باتجاه الأمام فأنت تقصد (زاوية الدهماني-سوق الجمعة)، أما لو جعلت كفك مستعرضا فأنت تعني (الضهرة-فشلوم-الهاني)، وغيرها من الإشارات.
أما المواقف التي يريد الركاب النزول عندها، خاصة وإن الأفيكو لا تلتزم بمواقف أو محطات محددة، فتسمع الراكب يقول: يمينك، وهو يقصد أن تقف السيارة على اليمين أو يمين الطريق للنزول. أما قوله: الفتحة الجاية، فهو يعني أن ثمة شارع جانبي سينزل عنده. أما: الدورة، فيعني طلبه أن تتوقف الأفيكو عند انعطاف الطريق. وعطفا على موضوع وقوف الأفيكو على الطريق دون التقيد بمحطات للوقوف عنها، فهذا يذكرني بتجربة عربية أخرى شبيهة في مصر وأعني الميكروباصات تشبه تجربتنا الليبية، وتجربة عربية أكثر ريادة في (سوريا)، إذ نظراً لعدم قدرة القطاع العام على تلبية حاجات النقل العام داخل المدن، سمح لسيارات (الميكرو) كما تسمى محليا في (سوريا) بالعمل لكن ضمن شروط، منها: أن تعمل هذه السيارات ضمن المحطات والخطوط المعروفة، وأن ينـزع من السيارة الكرسي الطاوي، لتسهيل حركة نزول وصعود الركاب.
وعودة إلى لغة الإشارات، فهناك لغة إشارات أيضاً بين السائقين، فلو التقى سائقان يعملان على ذات الخط، باتجاه مضاد، وربت أحدهم بكفه على كتفه، ومن بعد أدار سبابته بحركة دائرية، فهذا يعني: أنه ثمة دورية مرور عند جزيرة الدوران. ولو أتبع حركاته بأن أشار إلى أحد الاتجاهات، فهذا يعني أن على السائق المقابل الدخول من أحد الأزقة لتفادي الدورية.
- إذاعة متحركة.
هكذا يصفها البعض، فالأفيكو لا يمكنها تأدية عملها دون موسيقى عالية تصدح بها مكبرات صوت آلة التسجيل، حتى تتمكن السيارة من (التمييح)9 على صوت (نانسي)، حتى إن البعض يستخدم سماعات إضافية ومنقيات ومصفيات لتضخيم وتقوية الصوت. وتعالوا نحاول متابعة برامج هذه الإذاعة. تبدأ الأفيكو صباحها عادة بآياتٍ من الذكر الحكيم، تعاد كل صباح فالبحث ليس في ذات القرآن إنما ما يمنحه من إيحاء أو (بركة) على حسب قولهم. عند التاسعة يسحب الشريط لتبدأ فقرات البرنامج اليومي بآخر ما وصل الأسواق من أشرطة وتسجيلات غنائية عربية _التسجيلات الأجنبية قليلة جداً_، وأيضا آخر ما أصدرته شركات التسجيل المحلية، التي تلقى إقبالاً كبيراً من أصحاب الأفيكو الذين يتلقفون جديدها لبثه، حتى باتت هذه الإصدارات تعرف بـ(أشرطة الأفيكو)، وبعد أن بدأت الأقراص المضغوطة الدخول، تحول الكثير من أصحاب السيارات إلى تركيب أجهزة قراءة الأقراص، بل إن بعضهم عمد إلى تركيب شاشات عرض مرئية لعرض الأفلام والأغاني المصورة. أما الرّكاب فلهم الله، عليهم الاستماع لما يريد السائق، إذ لا مراعاةٍ لذوق أو لسن أو لحرمة، وما عليك إلا أن ترفع صوتك طالباً التوقف عند مكانك. وفي الفترة الأخيرة بعد أن بدأت قناة (الليبية إف-إم) المسموعة بثها، تحول الكثير من أصحاب الأفيكو إلى ضبط قناة جهاز الإذاعة المسموعة بالسيارة على موجة القناة. وأعتقد أن أصحاب السيارات وجدوا في هذه القناة بغيتهم من البرامج والأغاني التي تغنيهم عن شراء الأشرطة والمسجلة. وهذا التجاوز نعيده كما قلنا سابقاً لفقد السائق لثقافة الخدمة، التي تفترض خلقاً أرقى في التعامل مع الزبائن، فالسائق مؤمن على الركاب حتى وصولهم أماكنهم، لا أن يتحول الزبائن إلى وحدات نقدية تضاف لحساب نهاية اليوم، وهذه الصورة أو هذه العقلية هي صورة العامة للتعاملات، فحتى الموظف إنما يؤدي عمله تفضلاً على المراجعين، لا خدمة تؤدى.
هذه هي الأفيكو ملكة الشوارع، وسيلة محدودي الدخل والطلبة في التنقل، الوسيلة التي أوجدتها الحاجة، فنشأت تلبية وتربت حاجة، وكبرت نمطاً وحياة في صورة/صور هي ذاتها المجتمع. حكاية الأفيكو تلخص حكاية المجتمع الليبي وتعطي صورة لما وصل إليه المجتمع الليبي ثقافياً، وهو يتخلى عن الكثير من أجل تلبية حاجة بطريقة ارتجالية بأسلوب (سقدني خللي نروح)10، بدل البحث عن حل أبعد في الأثر، فالأفيكو الواحدة تلخص حكاية المجتمع، ففي وسط الصخب الذي يملؤها تجد الصغير والكبير، الرجل والمرأة، المتعلم والأمي، الموظف والجندي، ولد العيلة والصرصري11، السطايل والكلاسيك12، ولد البلاد والبرفلي13، والكل همه الوصول للمبتغى، لا تهم الطريقة أو الأسلوب، المهم أن يصل المكان أو حتى أقرب نقطة. فالأصوات التي تطالب بإلغاء الأفيكو لن تستطيع أن ترفعها من الشوارع طالما ثمة حاجة حقيقة لها كوسيلة مواصلات، والحل هو إيجاد البديل الحقيقي ليكون وسيلة مواصلات قادرة على تلبية حاجة لخدمة النقل _وأركز على مفردة خدمة_. وإلا ستظل الأفيكو ملكة الشوارع. ولا نغفل ما تعنيه هذه السيارة لصاحبها أو سائقها من وسيلة كسب وعيش، ومتنفس لما يعتمل بداخله فيطلق الأغاني (تحسابيها ساهلة)، و(موهاين) و(الموجعة)، حتى إنه يحول السيارة من الداخل إلى معرض فني للصور، والآيات القرآنية، وما يمتلكه من مواهب أحدهم يعلق نماذج لتخطيطات وأخر يرسم (هيفاء) ويوقع باسمه تحتها، وما يعنيه في الحياة من صور أولاده، ورحلاته بالأفيكو، أما الآخر فيبكي على عهدٍ مضى كهذا السائق الذي يعلق صوره والميداليات التي تحصل عليها في حم الأثقال. وقبل أن نحتم لا ننسى نصيحة السائق:
- معليش، رد الباب بالشوية14._______
* منشور في ليبيا اليوم وأعدتُ نشره بعد موافقة الكاتب.
** رامز رمضان النويصري شاعر وكاتب ليبي مقيم حالياً في بريطانيا من أجل الدراسة المتقدمة في مجال هندسة الطيران.
_________________________________
هوامش:
1- رأيت أن أستخدم المسميات كما هي معروفة في اللهجة العامية.2- 15 قرش باللهجة المحلية تساوي بالنقد 150 درهماً. حيث القرش يساوي 10 دراهم.3- ربع الدينار يساوي بالنقد 250 درهما. والنصف دينار يساوي 500 درهماً.4- الفرناج: اسم لأحد المناطق بمدينة طرابلس وتقع عن مدخلها الشرقي.5- غابة خالد بن الوليد، كانت غابة موجود بمنطقة عين زارة (جنوب طرابلس)، وكنا نستخدمها لتنفيذ مناشطنا ومخيماتنا الكشفية، ولقد تحولت هذه الغابة الآن إلى إقطاعات ومزارع خاصة.6- الأفيكو هو اسم لأحد أنواع الحافلات الصغيرة المستخدمة في النقل في ليبيا.7- النسرافة، الاسم الذي كان يطلق على الحافلة قديماً، والنسرافة بمعنى التي تكثر من الدوران في الشوارع.8- الآن تأخذ سيارات الفيتو المكان في المسافات الطويلة.9- التمييح: بمعنى الغنج والميلان في المشي، وسائقوا الأفيكو عادة يقودون سياراتهم بسرعة متجاوزين ما أمامهم من سيارات.10- مثل شعبي بمعنى، أرجوك أنهي الأمر بسرعة.11- الصرصري، أي الشخص غير المهذب.12- السطايل: تعبير درج مؤخرا لوصف الشباب الذين يتبعون الموضة.13- ولد البلاد: وتعني أهل الحضر. والبرفلي: تعني أهل البادية.14- بمعنى: لو سمحت، أغلق الباب بهدوء.
2009-05-18

"واحد زايد واحد يساوي اتنين ياحمير"، هكذا وبكل تهذيب، وبكل عطف ووسعة بال، كانت مدرّستنا في الصف الأول الابتدائي (أبلة سالمة)* تعلّمنا الدروس الأولى في مادة الحساب، ومنذ ذلك الحين قبل أكثر من ربع قرن، تعلّمنا أن طبيعة الحياة اقتضتْ أن يكون 1+1=2، وأن نكون نحن "حمير"، وذلك على رأي (أبلة سالمة) التي كانت تعرف أكثر منا، فقد كانت "بسلامتها" نافذتنا الأولى على "العالم الخارجي" على رأي "زينة ونحّول" !!.
مازلتُ أتذكّر ذلك اليوم الذي كانت فيه أبلتنا منهمكة بكل تركيزها في شرح أحد الدروس في مادة الدين حول "احترام الكبير والعطف على الصغير"، فإذا بها تسأل أحد زملائي قائلة :
- " أنتَ..أنتَ..لا لا مش أنتَ..أني قصدي على الحمار اللي مقعمز في الكرسي لاخير"
- فردّ عليها زميلي وهو جالس [حتى هو كان يحمد ربي]:
- " نعم يا أبلة..تكلمي فيّا؟"
- "أيه..أوقف على مكاسيرك وانتَ تكلّم فيّا"، وعندما وقف استطردت قائلة :" قولي ياحمار علاش نحترموا في الكبير..ونعطفوا على الصغير؟"
- فردّ عليها زميلي ووجهه أحمر محتقن :" عَفُنْ يا ابلة أني مش حمار..أني أمي ديمة تقول لي يا غزال". وهنا انتهى حديث الشفاه ليبدأ حديث الأيدي والأقدام؛ حيث اغتاظت الأبلة بشدة، فأزبدت وارتعدت فرائصها، وانهالت على زميلي "المنجوه" صفعاً وركلاً وشتماً، الخلاصة أنها منحته طريحة من نوع "نباشة القبور"، ومن يومها وزميلي يحتقر الكبير و "يعصف" على الصغير و"يحدّف" في القطاطيس بالرشاد !!، ولكم أن تتخيلوا ماذا أصبح اليوم.
من منّا لم يمرّ بمثل هذه المواقف خلال دراسته؟، فإن لم يكن ضحيتها؛ فعلى الأقل كان شاهداً عليها، ولكن من يدري فربما كان من الذين-أو اللاتي- يروّح بالكراسات للأبلة، أو من النوع الذي كانت ترسله الأبلة لكي يأتي لها بعصا أو "طوبو" من الساحة، أو طباشير من الإدارة !!، أو لعله كان-أو كانت- ولد الأبلة، من النوع الذي يأخذ ساندويتشاً ملفوفاً بالكلينكس من المقصف [اللهمّ لاحسد]، فهولاء لن ألومهم لو لم يتذكروا مثل هذه المواقف.
ولكن على الرغم من قسوة تلك الفترة وشدتها، وعلى الرغم من بعض النماذج السيئة التي قامت بتدريسنا، فكانت تمارس ساديتها وأمراضها النفسية على مجموعة من الأطفال، وعلى الرغم من أسلوب التعليم التلقيني الممل الذي كان متبعاً؛ إلا أنني أشعر بامتنان عميق لتلك الفترة لأنها عجنتنا وطحنتنا فتعلمنا من خلالها الصبر والجلد يعني "ولينا حُرُش وما يفلّق فينا شي" ، وتعلمنا أن نحلم وأن نحلّق بعيداً في الحلم، كما تعلمنا منها أن نصنع لأنفسنا شخصيات مستقلة تعرف كيف تزن الأمور، كما مرّ علينا خلالها الكثير من المدرسين-والمدرسات-المميزين الذين مازلنا نكن لهم كل الود والاحترام، كما تعلمنا منها أن أهم الدروس يتعلمها الإنسان بقسوة.
وفي النهاية كل أنسان مدينٌ لماضيه مهما كان قاسياً.
___________________________
* الإسم غير حقيقي
2009-05-16


بالمراكب ذاتها...بالعويل والصليل...بالسحاب اللامنتمي...والأفق الكذاب...ببـدايــات الدهشة...وتفاهات الرجفة...بالحب صنو الكره...بالقوة تغلف ضعفاً...بالإبتسامة تتأرجح في طالعها السـاذج...وفي حدودها الوقحة من أول النفـاق إلى آخر الشمـاتة...بالـ(الخبز الحافي)...بالليل في سكونه اللعين...بالورودِ تُخفي تحت ألوانها شوكاً...وخلف عطرها آزمة ! بكلّ الكلّ...وبعض البعض...بالمثل والضد...بها كلها أنعتك ياتلكَ الـذائبة كالثلج في الهجير...يا تلكَ الأزلية الحاضرة...والأبدية الفانية...فمتى بدأتكِ ومتى انتهيتِ مني؟...ومتى أنتهي منك لتبدأيني ؟...وماذا فيك سواي ؟ وماذا بك غيري ؟ وماذا بي غير ما نقشته أنتِ وحلفاؤك-الأيام/الأحداثُ/الحظ/القدر-على جدار الذاكرة الشوكية التي تتربص بي عند مدخل كل نفقٍ في القلب يفضي لفضاء رحب خالٍ من الأسماء والأرقام والوجوه والعناوين؟...ولماذا جعلتني حالماً يا أيتها الواقعية؟...ولماذا أردتني ثابتاً وأنت متغيرة في أصلك وجوهرك؟...ولماذا ادعيت الحقيقـة وكلّ مافيك غيبـيٌّ وافتراضـيّ؟ ...وهأنت تتركينني في منتصفك تائهاً فيك...فلا أنا كائنٌ في كينونتك ولاصائر في صيرورتك...بل أراني ضالاً في ظلّك...وظلاً في ضلالك ...مبعثراً بين عللك... ضعيفاً في أوّلك...معتلاً في آخرك... جاهلاً بتضاريسك وتقلباتك...أمّياً في فك رموزك وأبجديتك...فلِما أحزنُ على ما تركتُه فيك منك ؟ ولما أكرّرُ فيك بعضك وقد ظهر منك جُلّك ؟...لذا ... فمادمت أنت أنت...فبصوتي يعلو مدويّاً...وبالغصّات...بالمراكب المبحرة دوماً... بالأشرعة المشرعة دوماً...وبالمحار...بالصبر المر...والألم الحرّ...بالصمت الذي قد يزرعني قريباً من أشيائي الأولى...أرجمك قبل أن يطويك رحيلي.
2009-05-13

ألقيتِ موجكِ في دمي ...
و رجعتِ من نصفِ الزّبدْ !
و رحلتِ في فوضى الرّياحِ إلى الرياحِ...إلى الأبدْ
أنا لم أكنْ حين التقيتكِ ،
حين صوّركِ الجنونُ على الرمالِ محارةً / حوريةً /
و قصيدةً رُسمتْ بزعنفةِ التمنّي
أنا لم أكنْ ما كان منّي
هل كانَ قلبي خارجي ؟ أم كانَ شوقي قاتلي ؟
هل كنتُ أسبحُ في دمي فغرقتُ فيكِ و متُّ في جزْرٍ و مدّْ ؟
أنا لم أكنْ ما كان يمكنُ أنْ يكونَ، وغابَ عنّي ...
وجهي القويُّ .. فلم يكدْ ...
يهمي رذاذُكِ حتى حاصرني الدوارُ..فلمْ أعُدْ...
إلاّ غريقاً غارقاً مستغرقاً في اللاّفناء و لا جسدْ .

سكنتْ رياحُكِ في دمي ...
و ذهبتِ أنتِ مع الزّبدْ !
2009-05-11


بقلم : جمعة بوكليب**

كنت مارّاً علي عجل في شارع إجوار رود، كان الفصل صيفاً حاراً لزجاً شديد الرطوبة، والوقت علي مسافة بعيدة قليلاً من أنسام المساء، حينما لمحته جالساً، خارج مقهي عربي، علي كرسي وبجانبه منضدة يتربع وسطها إبريق شاي وكأس زجاجية مليئة بالشاي المنعنع. كان يدخن الشيشة بمتعة، مرتدياً قميصاً أبيض، نصف كم، وسروالاً إفرنجياً، وحذاء جديداً، ورأسه عارية دون طاقية أو معرقة، بشعر خفيف جداً أبيض. وقفت وسلمت عليه فرفع رأسه نحوي وحدّق في وجهي من خلال عينين ضيقتين للحظة، ورد السلام بشكل جعلني أحس أنه لم يتعرف إليّ. قلت له: أنا جمعة ولد الحاج عمر صاحبك ، انتفض من كرسيه بمجرد سماعه لما قلت، كمن صعقه تيار كهربي، ثم وهات يا أحضان وهات يا بوس، وهو يردد بصوت مستثار: ساعة سعيدة ساعة غرة . هدأت قليلاً من استثارته، وجلست علي كرسي بجانبه وبدأنا حديثاً لا أعرف كيف ولا من أين بدأ، أو كيف انتهي. كنت مثله فرحاً جداً بلقائه حد الاستثارة، لأنه جار قديم طيب المعشر وصديق ودود لوالدي، ورؤيته في لندن فجأة وعلي غير موعد بدت لي وكأني التقيت طفولة كنت أظنها لا ترجع. عرفت منه أنه جاء لزيارة ابنته الكبري المتزوجة بطبيب ليبي، تحصل علي فرصة للعمل في لندن بإحدي المستشفيات منذ أكثر من سنتين، وهذه المرة الأولي التي يزوره فيها الحاج منصور رفقة زوجته الحاجّة مريومة. سألته: هل أعجبته لندن؟ قال: الله لا تحرم منها مؤمن . ضحكت بصوت عال حتي شعرت بعينيّ مغرورقتين بالدموع. دفعت للنادل فاتورة الحساب وأخذت الحاج منصور من يده، وبدأنا نسير معاً. عاتبته علي عدم اتصاله بي لدي وصوله لندن، فتذرع بأعذار بدت لي واهية جداً، وعلمت منه أنه لم يبلّغ حتي والدي بمجيئه إلي لندن، لأن السفر، حسب قوله، تم علي عجل، ولم يجد وقتاً لإبلاغه. قلت في نفسي: فوّت وما تعدلش ، وظللنا نتمشي علي طول إجوارد رود وهو يحكي لي عن أحوال جيراننا واحبائنا. كلما سألته عن أحد من رفاقه يرد عليّ بنفس الرد: أعطاك عمره ، اكتشفت أيضاً أن الميتين جميعاً توفوا نتيجة الإصابة بمرض السكري أو ضغط الدم أو كليهما. قال لي الحاج أنه شخصياً يعاني من الإصابة بالمرضين، وحين سألته لماذا لم يتوقف عن التدخين، وكيف له أن يدخن الشيشة؟ قال لي: يا ولدي ليلة قبرك ما تبات برّه، واللي في عمري وعمر بوك شنو ما زالّه؟ . عرضت عليه أن نتعشي معاً، فوافق دون تردد. دخلنا مطعماً قريباً وجلسنا حول منضدة. قرأت عليه قائمة المأكولات المتوفرة وسألته عما يشتهي منها، ففوضني أن أختار نيابة عنه، ولمّا نبهته إلي حقيقة مرضه وربما يكون في حاجة إلي نوع معين من الأكل، قال لي: ما تعدلش ، فعملت بالنصيحة حرفياً. استمر العشاء والحديث أكثر من ساعتين، ثم أصر الحاج علي الذهاب إلي المقهي : باش يقعّد رأسه بشيشة ، فغادرنا المطعم وسرنا جنباً إلي جنب علي الرصيف المزدحم في طريقنا إلي نفس المقهي الذي التقيته فيه. علّق الحاج علي ازدحام الشارع بالعرب، قائلاً بشيء من الضيق: الله يكثّر أمة محمد ، وسمعتني أقول بصوت مسموع: آمين . ونحن نقترب من المقهي، رأي رجلاً لا يتجاوز الاربعين من العمر جالساً علي الرصيف وبجانبه يرقد كلب متسخ وهزيل، باسط ذراعيه علي الأرض. كان الرجل يقرأ جريدة باهتمام، يرتدي ملابس رثة، ويضع قبعة سوداء متسخة علي الأرض بها بعض الملاليم. سألني الحاج بفضول عنه، قلت له أنه مشرد يعيش وينام علي الأرصفة، متسولاً. رأينا امرأة مسنّة تقترب من الرجل ثم انحنت مداعبة الكلب، وتحادث الرجل بلطف، ثم فتحت حقيبة يدها وأخرجت منها بعض القروش وألقتها في القبعة المفترشة الأرض، وداعبت الكلب مجدداً وانصرفت محيية الرجل المتسول ومتمنية له مساءً طيباً. عاد المتسول إلي الانهماك في قراءة الجريدة وواصل الكلب نومه. علّق الحاج قائلاً: تقول مدير في مكتبه، ناقص يخدّم معه سكرتيرة!! . اتجهنا نحو المقهي، ولما كانت المناضد المفروشة خارج المقهي مشغولة، اقترحت علي الحاج أن نذهب إلي مقهي آخر، إلا أن الحاج أصر علي الجلوس في نفس المقهي متذرعاً بجودة الشيشة. وافقته علي مضض لأنني أبغض من كل قلبي مقاهي الشيشة، لأن أجواءها خانقة وتجعلني أحس وكأنني جالس في غرزة حشيش. طلبت له شيشة، وإبريقا من الشاي المنعنع لنا معاً، وواصلنا حديثنا. جاء النادل بالشاي، ثم أحضر الشيشة، وبدأ الحاج عملية المص بآلية ومتعة. حاولت أن أشغله بالحديث عن زوجته وأولاده إلا أنه ظل يرد بإيجاز المكره علي الكلام، فالتزمت السكوت، وواصل هو التدخين بشراهة مدخن مدمن ومخضرم. تمنيت لو يحكي لي قليلاً علي ذكرياته مع والدي أيام الشباب، وكيف كانا يشتغلان في (البورت) معاً. تمنيت لو أنه يفتح لي فرجة في قلبه المتآكل بالنيكوتين لأري والمس شيئاً من طراوة أيام جففها الوقت واكتسحها النسيان وباتت كخرابة مهجورة. تمنيت لو الحاج منصور يهديه ربي ويفكنا من تدخين هذه الشيشة اللئيمة، حتي يمكننا مغادرة المقهي وجوّه الخانق، والخروج إلي الشارع وتنفس طزاجة أنسام الليل، عقب نهار ساخن وشديد الرطوبة، وباعث علي الضجر والملل، يجعل المرء يتمني لو كان بمقدوره سلخ جلده. واصل الحاج عزفه المنفرد بدون هوادة، فقررت المغادرة. قال الحاج مستغرباً: أقعد ما زال عندنا وقت ، قلت له انني لم أعد قادراً علي احتمال الجو الخانق. ضحك الحاج وهو ينفث الدخان من منخريه: لندن خلاتك رطب معادش تقدر تتحمل . أنزعجت جداً من سخريته، ونهضت واقفاً عازماً علي المغادرة. اتجهت إلي النادل ودفعت له الحساب، ثم رجعت إلي الحاج مودعاً. رفع وجهه محدقاً في عينيً بشيء من الزعل والعتاب. قلت له سأعطيك رقم هاتفي ويمكنك أن تهاتفني غداً إن شئت. أخرجت قطعة ورق صغيرة من جيب سترتي وكتبت رقم هاتفي واسمي علي الورقة وأعطيتها إياه، فأخذها مني وحدّق فيها قليلاً، ثم قال: لكن من بيروّح بيّ للحوش؟ قلت له: زي ما جيت بروحك تروّح بروحك . قال لي أنه لم يأت للمقهي لوحده، وأن صهره الطبيب تعود أن يأتي به في السيارة ثم يتركه في المقهي ويعود لأخذه بعد انتهائه من العمل. وقال أيضاً أن لقائي به أنساه ذلك، وأن الدنيا ليل، ولا بد أن صهره حضر إلي المقهي ولم يجده. وأكد مجدداً أنه لا يعرف الطريق إلي البيت ولا يعرف حتي رقم الهاتف!!! وجدتني أردد في نفسي: يا حصلتنا في مسعودة وحصلة مسعودة فينا . أعترف أنني أصبت بشيء من الإرتباك، ولم أدر ما أفعل. قلت له بأنه ليس أمامه سوي العودة إلي بيتي، إلا أنه أصرّ علي أن آخذه إلي بيت صهره لأن عدم رجوعه سوف يؤدي بالحاجّة زوجته وبابنته وبصهره إلي الجنون. طلبت منه أن يذكر لي إسم المستشفي الذي يعمل به صهره، فقال أنه لا يعرف. أدركت أن الليلة لن تفوت علي خير، ولم يبق امامي سوي حل واحد. اتجهت إلي النادل وطلبت منه دليل لندن للهواتف. سألت الحاج عن اسم صهره وتخصصه الطبي فذكرهما لي، وأخرجت هاتفي المحمول وبدأت في الأنتقال من مستشفي إلي آخر، وكأنني عامل بدالة هواتف. قرابة الثانية صباحاً، وصل صهره بالسيارة ووقف قبالة المقهي، حيث كنت أنا والحاج في انتظاره. سلّمت علي صهره وحكيت باقتضاب ما حدث وسلمته الحاج منصور، وودعتهما، وانصرفت. حين وصلت إلي بيتي، منهكاً متهالكاً، وجدتني اردد بصوت عال: شعفة يا داود ما عاد نعاود .

__________________________________
* منشورة في المجموعة القصصية "حكايات من البر الإنجليزي" وأعدت نشرها بعد موافقة المؤلف.
** قاص وكاتب ليبي مقيم في لندن .
2009-05-09



مُترجّلاً عن ظهر شوقي أطيرُ يا ظلي إليك
متوحّداً في صورتيّ أصيرُ وجهاً أو قناعا ...
و أصيرُ مرآة َالرحيل ...
أصيرُ موجاً أو شراعا
متوحّداً في صورتيّ "أنا"ي أنت ،
و "أنا"كَ فيّ ... فأيـُّنا
أنـّتْ أناه ...و أيـُّنا
أدماه سكينُ السفر ؟

مُتبعثراً في اللاّهناك تهيمُ وحدكَ يا غريبُ
تُفضي بحزنكَ للطريق فلا تُجيبُ
تُلقي بصوتكَ ...لا صدىً
يأتي إليكَ ، و لا وجيبُ
أنتَ ابنُ نفسكَ ... فاستفقْ
من ليل نفسكَ ... و انعتقْ
من قيد نفسكَ ... و انطلقْ
من كلّ نفسكَ ... و انبثقْ
.........................
لا شمسَ يأسرها غروبُ



قال المسافرُ للمدى :
أنا البحار ظلُّ الروح
تفني الريحُ أشرعتي
أنا البحار زادي الشعر
حلْمي كلُّ أمتعتي

خطواتنا تُدمي ترابَ القلب ِ... هلْ
نكتفي من شرفة الأفق البعيد بلهفة الأحداق ؟
هل نستمرْ ؟
و نُعيدُ بعثرة الكلام على ظلال ٍغادرتْ زيفَ البصرْ ؟
و نُعيدُ دحرجة الحجرْ ؟

هأنتَ ترحلُ يا وحيدُ و لا يظلُّ سوى الشذى
يروى حكايتنا معا
تبكي السطورُ سطورها ،
و يسيلُ حبري أدمعا
فأراكَ في نفسي العميقة ...
و أراني فيكَ معانقاً ماء َالحقيقة إذ بدا
فينا جلياً ساطعا
نحن الضباب أم الندى ؟

صاح النورس :
عند هزيع ِالليل الآخر ...قبل الفجرْ
أركل صمتَ الشاطي ...أمضي
صوبَ البحرْ

يا مُهجة ً تهفو إليها مشاعري
ياشرفة ً منها أطلُّ على المدى ،
و على عيوبي
النصلُ يسكن ُخافقي ،
و الشوقُ محتَمَلُ النشوب ِ
الآن أنزفُ ماضياً ...
الآن تفضحني ندوبي

قشٌّ يحْضنُ طوقَ النهرْ
نـهرٌ يحملُ ذاكَ القشَّ إلى الشلال !

لا فجرَ يلقيني إليه الليلُ ، بين قصائدي
فجرٌ سيملأُ غربتي بالدفء و النعناع ِيعبقُ من كؤوس ِ الشاي ، تدنو
أناملي من نزوة ِ الكانون ِ ، تلسعني
حروفُ الجرّ ، أصحو
بين حلْمين ... انتهى
حلْمُ الحقيقة ِ، و الحقيقة ُ لا تغيبُ
واصلْ نزيفكَ يا غريبُ
واصلْ نزيفكَ يا غريبُ



______________________


* قصيدة أهديتها للصديق القاص والكاتب غازي القبلاوي عندما جاء للدراسة في بريطانيا في مثل هذا اليوم قبل سبع سنوات
2009-05-07




" أوزيريس : ما أعظمُ عمل يستطيع الإنسان أنْ يفعله ؟
حورس : الثأر " *

أختار يوماً بارداً و غائماً لأمرَّ على الحقل القديم، أرتدي وجهي القديم، وعينيَّ القديمتين، و أنتعلُ الذاكرة، أستسلمُ لمشيئة قدري فأمشي راضخاً على أشواك الماضي، ويداي تتحسّسان الدرب في ضبابية الحاضر المضمحل. تعترضُ طريقي شجرةُ زيتون ٍتضربُ بجذورها في الأزل، أقترب منها، ألفُّ حولها مرةً...مرتين...عشر، أنتزعُ منها غصناً يابساً؛ أغرسه في التراب متحسّساً خطوات من مرّوا هنا، أحاولُ أن أرسم خطاً يحيط بظلّي؛ في كلِّ مرة ٍيظهرُ الخطُّ متعرّجاً، أزيدُ من ضغطي على الغصنٍ، يعلقُ شيءٌ ما في الغصن فأُلقيه؛ لأنبش بيديَّ التراب بحثاً عن ذاك الشيء، ألمسُهُ ثم أُخرجُهُ، أكتشفُ أنّه حذاء ٌقديم مغطى بالثرى، أنفُضُ عنه الثرى، وألـمّعه بيديَّ فيبدو قبيحاً في نظافته، أُلقيه ورائي ثمّ أنهضُ وفي قدمي وخزُ جرحٍ لم يندملْ !.
أحاولُ العودة من حيث أتيتُ، أتتبّعُ آثار خطواتي في التراب، أُلاحظُ أنّ بعضها قد اختفى، ينتابني شعورٌ بالخوف والضيق...( هل تُراني أضعتُ دربي؟)، أشعرُ برعشة تجتاحُ أطرافي، وبرغبة ٍشديدة ٍفي البكاء ...أتذكّرُ دليلي النحيف ...الغصن، أعودُ أدراجي راكضاً، أبحثُ عن الغصن في كلّ شبر ...(ها هو هناك) تصيحُ كلُّ خليّة في جسمي ...و لكن ... ولكن أين ذاك الحذاء ؟، يبدو أنّ أحدهم قد أخذه، أرى آثار قدمين حافيتين؛ أتبعُها، أُلاحظُ أنّ شكل الأثر قد تغيّر، يبدو أنّ الـ(أحدهم) قد انتعل الحذاء، وفجأة ...تظهر أمامي بقايا حذاء قديم ٍممزَّق، وآثارُ قدمين حافيتين ترافقها قطراتُ دم ٍلم يجف بعد !.
بعد هذه الملاحقة اللاّمُجْدية؛ أشعرُ بالتعب وبالحاجة للاستلقاء، أُشْهِرُ الغصن أمامي، وأتبعه إلى شجرة الزيتون، وحالما أصلُ أضع الغصن جانباً، و أجلس متكئاً على جذعها .
تخفُّ حدّةُ الرهج ...و تهدأُ الأنفاس، أتجهُ بعينيَّ إلى الجانب الغربيّ من الحقل، أتسلّقُ ببصري السور القديم إلى شجرة السرو الكبيرة...إلى الأفق ... إلى ... فأرى ...!!!...
أرى سماءاً في متناول الحُلُم، وطفلاً يرقصُ على جناح نورسٍ، ويقبضُ الغيوم بأنامله الغضّة البيضاء ...أرى بياضاً يسيّجُ المدى ويؤثّثُ المشهد، أراه فأتذكّرُ زَبَدَ الموج إذ يتكسّر عند أقدام الصخور، وأتذكّرُ نصل السكين وهو يعكسُ ابتسامة القتيل، وبياضَ عينيْ القاتل !....أرى وجه أبي مُكفهراً و هو يصرخُ بي :" كنْ رجلاً...كنْ أنتَ...و لا تكنْ سواك.."...أرى زهرةً تتفتّحُ من شفة الجرح، ودمعةً تُورقُ من حواف الخطوات .... أرى شُهُباً تبتسم في سماء مُخيّلتي، وتدعوني لأرافقها في رحلة أبديةٍ صوب الحقيقة...صوب المطلق .... أرى ما أرى .. و ما لا أرى !.
أحسُّ بجفافٍ شديد في حلقي وبالعطش، أنهضُ متثاقلاً، و أسيرُ صوب البئر القديم، أنحني على فوهته، يستفزّني خواء الدلو وصمته ، مازال هنالك ماء ٌفي قاع البئر، الماء يبدو قريباً بشكلٍ يثيرُ الريبة، أُمْعنُ النظر في صفحة الماء.. ربما متفحّصاً ..أو ربما باحثاً عن إجاباتٍ شافية لأسئلة ٍكثيرة ٍمازالتْ- كالدلو- عالقةً في منتصف الحلْق، أستمرُّ في تمعّني في صفحة الماء، أرى وجهي القديم ضاحكاً، ومن خلفه تبدو السماء شديدة الزُّرقة، ينتابني فضول مُلحٌّ لأرى السماء فوقي، أنفضُ هذا الشعور بسرعة مُذكّراً نفسي بأنّ اليوم غائمٌ و لولاه لما كنتُ هنا، أعيد النظر إلى صفحة الماء، مازال وجهي هناك، ومازالتْ السماءُ شديدةَ الزرقة خلفه، تتجمّدُ الثواني عند ذلك المشهد، تمرُّ بعضُ السحب البيضاء في كسلٍ؛ فتكسر هذا الجمود المشهديّ، تنعكسُ ظلالها على وجهي، يمرُّ سربٌ من النوارس مسرعاً، أتذكّرُ ذلك الطفل؛ ينتفضُ القلبُ لهفةً، ويتأجّجُ الدمُ في عروقي، فأحاول أنْ ألحقَ بالسرب قبل أنْ يختفي، أُحلّق - أو أهوي- نحوهُ ...يقتربُ و جهي من وجهي ، تلسعني برودة الماء...فأستيقظ !.
___________________________
*من أسطورة أوزيريس
2009-05-05

علّميني كيف أحيا...
بين شوكٍ يجرحُ الأزهارَ فيَّ ، والأظافر...
تُدمي حلقي ، والأساور...
في يديّا / حولَ قلبي / خلْفَ صمتي .
دثّريني ...
باردٌ هذا المساء ، والسماء...
ترتدي لونَ القصاص ،
والغناء...
ضاعَ في صوت الرصاص
لا خلاصْ...
من رحيلٍ يسرقُ الأيام منّي ،
أو وجوهٍ تقتفيني ؛
فانزعيني...
من وحولٍ أرهقتْ نعلي ودربي ،
واْنزعي إسمي وجِلْدي ،
واْنزعي عنّي حنيني ،
واْنثريني...
كوّةٌ وأسيلُ ضوءاً ،
غيمةٌ وأصيرُ طائر !
حرريني من أناي / من هُناي ،
واْنثريني في رؤاي...
حيثُ ينصهرُ الزمانُ مع المكان ،
حيثُ تنحلُّ الضمائر...
لا (أنا) لأكونَ وحدي ،
لا (هو) ليكونَ ضدي
علّميني كيفَ أحبو ،
ثمّ أمشي ،
ثمّ أحيا في خُطاي...
خطوةٌ و أفيضُ لحناً ،
خطوتان وينفضُ الليلُ النجومَ...
لكي ينامَ بقربِ شاعر !
2009-05-03

بقلم : حسين المزداوي**


كنت أحسبها في طفولتي ( طبنّي صالح بن ميلود ) وهكذا كنت أدندن بها، حتى كبرت وعرفت أن (طبناي) المزورة هذه لا تعني شيئاً، وأن وراء الأكمة ما وراءها ، فالأمر إعجاب وشجاعة وغزل وعشق وذبول، وأن هذا الذبول اندغم فأصبح ( ذبنّي ) ولو كان الزمخشري حياً لنهرني وقال لي : قل أذبلني يا ولد .. فتعلم أيها الطبن الصغير.

ما حيرني في الأمر بعد أن انفتحت مغاليق ( الطبن ) المزيف هو ( صالح بن ميلود ) نفسه، فالرجل باسمه الثنائي يشي بأن لا جدال في حقيقة أمره وعشقه وإذباله للأخريات، بل للآخرين .. فاسمه صالح، وإن لم يكن فعله كذلك، فلماذا يعذبها بحبه حتى (تذبل) مثل نبتة أو شجرة انقطع عنها الماء .. ومثل أي حواء أو ليلى باتت ليلتها ساهدة بدون قيس أو صالح أو حتى الفرجاني.

وهو أيضاً ابن ميلود، والراجح إن الأب ولد في الميلود أي في شهر ربيع الأول، أو كان سمياً لجده أو أحد أخواله أو أقاربه .. فكرت وحاولت كثيراً ولم أتوصل إلى حل .. لا عائلات الصوالح ولا الصلاّح، ولا الماليد، ولا المذابلة يمكن أن يقدموا إجابة شافية وكافية ووافية عن أخينا صالح الذي انذبلت من جرائه قلوب العذارى وتهدجت بسببه حناجر العزارى.

ثم من هذه الشقية التي أذبلها بعينيه السوداوين حتى حق لها أن تتغنى بشجاعته وفروسيته التي غدت على كل فم، فهو ( ضارب ) كفء للبارود، ومع ذلك فمواهب الشكل ومزايا الفعل لم تقدم في الأمر ولم تؤخر، بل بلت طين المذبولة، فأصبحت مذبولة مبلولة تحت شفاه المغنين والأطبان الصغار.

الجديد في الأمر إنه بين عشية وضحاها كفت البنات عن التغزل في مآثر سي صالح، وانسرقت الأغنية من حناجرهن لتستأثر بها قراجيم الرجال والمغنين، لا ينقص ميعادهم إلا الحسن بن هانئ رحمه الله؛ فما من زفاف أو مناسبة فرح إلا وتغنى الرجال بصالح الذي ذبلهم واحدا واحداً .. الأمر هنا شائن وشائك ومعقد، وربما يحتاج إلى ندوة؛ وهيبة صالح التي انذبلت بسببها النساء أصبحت مطية للرجال، وتغزل الرجال بالرجال عار ومصيبة لا يغسلها إلا الدم .. فقد انحرف الأمر عن سياقه وابتعدت المياه عن سواقيها، ولم يعد الأمر مثلما كان عندما انطلق من حنجرة مذبولة صالح بن ميلود.

الآن اختلط حابل صالح بنابله أكثر وأكثر، فالأغنية تلقفتها الإذاعات، وها هي إذاعة تسمي نفسها ويسميها الناس (التراثية) وتسمع على الإف إم FM تبث ضمن ما تبثه (ذبلني صالح بن ميلود) فالإذاعة أيضاً انذبلت منه ومن عويناته السود مثلها مثل أي جماد ينذبل، ورجال ينذبلون، ونساء ينذبلن، وأطفال ينطبنون .. ولأن التراثية مسموعة في كل شارع وقرية وسيارة فهي إذن ليست حكرا لا على رجال القرى ولا على نساء السيارات وهن يقدنها في الشوارع ويستمعن إلى التراثية؛ فالكل سواء يتمشون في الشوارع ويعيشون في القرى ويقودون السيارات ويستمعون إلى إف أُم التراثية وأبيها .. فأي الطرق ستسلك يا صالح ؟ طريق الإنسان رجلاً كان أم امرأة، أم طريق الجماد ؟ تجمعات ثرثرة النساء، أم مرابع دق حنك الرجال ؟

صدقوني يا جماعة .. الأمر لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد، فأي الطرق يفكر صالح أن يسلكها فهو حر، وهو في نظري لم يعد صالحاً منذ أذبل تلك الصبية القديمة .. ربما ماتت بعد ذبولها المبكر الذي لم يعد أحد يتذكره، ربما جنت وتاهت في الطرقات حافية القدمين، شعثة شعر الرأس، تتسول قوت يومها وتأكله ملطخاً بالتراب، وتجري وخلفها الصبية يتصايحون:

- ذبلها صالح بن ميلود .

وربما أيضا – وهذا مرجح - حنّ عليها وضمضم جراحها بالتبات والنبات، وبالبنين والبنات، وهذا لا يستبعد من رجل صالح وشهم كصالح بن ميلود .. ومن يستطيع أن ينكر الآن وجود أحفاد أحفادهما سلسلة متصلة بيننا يتمشون في الشوارع والطرقات ويقودون السيارات، ذكوراً وإناثاً إلا أنه لا أحد منا يعرف من هم بالضبط، ولا كيف شكل كواسمهم، فأصبحوا حالة افتراضية حتى أمام أنفسهم مثل أشباح الانترنت تماماً، ولكنهم مثل غيرهم يستمعون إلى التراثية ويذبلهم جدهم الأكبر، وهذه ثالثة الأثافي، فهم ذكوراً ونساء يذبلهم هذا الجد الأكبر المكابر .

ورغم أنني كبرت عن الغناء الذي لا يكبر ولا يشيب، وحنجرتي المرتخية المخرخرة لم تعد تصلح لشيء ذي بال من هذا القبيل .. إلا أن حالة تتلبسني لأن أساهم في إعادة مياه الأغنية إلى السواقي الذابلة، لا للرجال ولا للنساء ولا للأحفاد، بل إلى ذكرى صاحبتها القديمة، أغني وأدندن مع الأطفال ومع الرجال والنساء ومع أحفاد صالح ومذبولته الافتراضيين :

ذبلها صالح بن ميلود
ذبلها يضرب ف البارود
ذبلها وعويناته سود

__________________________

*منشور في صحيفة ليبيا اليوم وأعدتُ نشره بعد موافقة الكاتب

** كاتب وباحث ودبلوماسي ليبي
2009-05-01



"إستراااااااحة...غدوة رااااااااحة" .... هكذا كنّا نغني أيام الإبتدائي عندما يأتي وقت الإستراحة، حيث كنّا نهرع للمقصف لشراء "نص ومشروب"، ففي ثواني قليلة كنا نشكل ازدحاماً أمام شباك المقصف "وهات يا ردس وعصر وفشخ"، فلا يتمكن الواحد منا من الحصول على "النص" إلا بعد أن يشبع من "العنافق والتيروات"، وبعدين يأخذ "النص" ويجري به صوب الساحة وهو يصرخ "حاااااااااااااااالف" .
طبعاً هذا ليس موضوعي اليوم، ولكن حتماً سأتحدث عن بعض هذه الذكريات في مناسبات قادمة، سأتحدث عن الأستاذ "الهمالي"، والفلقة، والصميطري، وزميلي الذي كان مدمناً على أكل الطباشير، وزميلي الآخر الذي كان يعشق أكل معجون الأسنان ودائماً كان يخفيه في حقيبته، وسأتحدث عن ظاهرة تمزيق الكتب آخر يوم في الامتحانات ..و...و...و...
سأعود إلى موضوعي وهو كلمة "نص" أو في رواية أخرى "نفص" بضم النون والفاء وتسكين الصاد، وهو السنادويتش الذي لحدّ الآن لم يفلح جهابذة اللغة العربية في إيجاد اسم مناسب له؛ فهم يسمونه "شاطر ومشطور وبينهما كامخ"، وفي رواية أخرى "شاطر ومشطور وبينهما طازج"، وهو- كما تلاحظون- اسم طويل وثقيل على اللسان، فما أسهل كلمة "نص" مقارنة به .
إن اللغة العربية لغة ثرية بكل المقاييس، ولكن القيمين عليها هم من أساؤوا إليها بعدم قبولهم لأي شيء مختلف عمّا هو موجود في أمهات الكتب والقواميس، والتي يصل عمر بعضها إلى أكثر من ألف عام، فهل يُعقل أن تظل لغة ما جامدة في مكانها كل هذه السنين الطويلة ولا تتفاعل مع مستجدات الحياة، طبعاً الخلل ليس في اللغة العربية؛ ولكن في بعض العقول المتحجرة من الذين ينصبون أنفسهم سدنة عليها، الذين عجزوا عن استحداث تسمية عربية للساندويتش والستالايت والكثير من الأدوات والآلات التي يتم استحداثها كل يوم.
إذن المشكلة ليست في اللغة العربية فهي لغة عميقة وثرية وقوية، أقول ذلك وقد قرأت الكثير من الكتب التي تعتبر من عيون الكتب مثل "البيان والتبيين"، و"الحيوان"، و"البصائر والذخائر"، و"طوق الحمامة"، وغيرها مما دفعني لأن أقتنع لدرجة الإيمان بأن هذه اللغة التي خصّها الله سبحانه وتعالى بالقرآن الكريم قادرة على مواكبة تطورات الحياة، وصالحة لكل زمان ومكان لو توفر لها أناس أكفاء مخلصون يقومون بتبسيطها وجعلها مرنة مفهومة للإنسان العادي، وليس كما فعل السدنة بتحويلها إلى لغة نخبوية لا يفهمها سواهم والساعي الذي يوزع عليهم في "الشاهي".
إن الجميل في اللغة الإنجليزية مثلاً- وهي ليست أجمل أو أرقى من العربية- أنها لغة مرنة، وأنها تتقبل بصدر رحب الكلمات المستوردة، ولكن تضفي عليها صبغة ولحناً إنجليزياً، فحتى القارئ الذي لا يعرف الإنجليزية يمكنه فهم معنى الكلمات التالية ومن أين جاءت :
Camel...Cave...Sahara
وهنا أعود إلى عنوان المقال "ما افلحها كلمة شكلاطة... زرقتْ ما عرّبناهاش"* ، بالفعل لقد فلتت كلمة شكلاطة من براثن جهابذة التعريب، فهي تستعمل كما هي، ولا أعتقد أن أحداً قد تضرر منها، اللهم إلاّ من عنده "سوسة " في فمه.
وفي الختام سؤال : هل عندك كلمة عربية مناسبة لكلمة شكلاطة ؟

لندن 01-05-2009
______________________
* من قصيدة هزلية بالعامية لأستاذي الشاعر لطفي عبداللطيف