ملف التعريف
أرشيف أمواج
مواقع إلكترونية
- إتحاد المدونين الليبيين
- إذاعة المدونين المسموعة
- الجزيرة نت
- العربية نت
- المكتبة الليبية
- بي بي سي بالعربي
- صحيفة أويا
- صحيفة قورينا
- كل المدونات الليبية
- مرصد المدونات الليبية
- معاني الأسماء العربية
- مكتبة التراث الليبي
- موقع الأدباء الليبيين(بلد الطيوب)
- موقع الباحث العربي
- موقع الفيس بوك
- موقع الويكيبيديا للمعلومات
- موقع اليوتيوب

الكل يتحدث بصوتٍ عالٍ ولا أحد يسمع ، تخرج العبارات حادة عالية في جدال أزلي ممجوج : الدجاجة أصل البيضة... بل البيضة هي أصل الدجاجة . الزعيق هو سيد الموقف ، فالبقاء للأعلى صوتاً ، وللأكثر تحملاً للهرج والمرج ، غير أن الجدل قد لاينتهي نهاية محمودة ، بل قد يتطور إلى مرحلة أخطر تكون فيها الأسنان والأظافر "أصدق إنباءاً"، وأكثر حسماً وفاعلية.
قد لا يكون موضوع الخلاف مهماً كما هو ملاحظ ؛ ولكن من يستطيع أن يُخرس تلك الأصوات التي ترتفع في وتيرة محمومة أو يجادل بأنها قد تكون على خطأ ؟ ، بل من يتجرأ أصلاً على أن يطرح احتمالية الخطأ ؟.
"الاختلاف لا يفسد للود قضية "؛ عبارةٌ مبهمة يلوكها الدونكيخوتيون في الوطن العربي "الكبير" في محاولة لوضع بعض الألوان وبعض الترميم على جدار"الفصل" بين الأراء ؛ فالوطن العربي "الكبير" يضيق بأي رأي أو فكرة مختلفة عن السائد ، فيما يمكن أن نسميه Stereotyping .لا يا سادتي ؛ فالاختلاف عندنا يفسد كل الود، ويولّد الضغينة والحقد ، ويخلق لك عداوات مجانية تتسم بذاكرة طويـلة المدى . وهنا أتذكر مرة قال لي فيها الشاعر الأردني ( أمجد ناصر) أن كل كاتب عربي يتعرف عليه يعتبره رصيداً استراتيجيًا ومخزونًا مستقبليًا لعدو محتمل !.
للأسف الشديد لم نستطع أن ننزع عن أنفسنا النمط القبلي حتى فيما يتعلق بالفكر والثقافة ، حيث يتشبث كل واحد بــ"مرعىً" من الآراء والأفكار يقوم برعايته وتغذيته على أساس النظرة الأحادية ، فيعتبر ذلك المرعى ملكية مقدسة دونها الموت ، وكل من يتعدى على هذا "المرعى" بالاختلاف أو النقد يُعرض نفسه للقذف بأسلحة القذف الشامل ، حيث كل شيء وارد ومسموح بعيداً عن أدبيات الحوار وأخلاقيات الاختلاف .
حتى النقد الأدبي لم يسلم من ذلك ، فقد أصبح إما مع أو ضد ، ويعتمد بالكامل على نظرة الناقد في المؤلف/الكاتب ، وليس على رأيه التحليلي في الناتج/ الكتاب ، وهنا تكون العلاقة الشخصية والمصالح هي الدافع للكتابة النقدية ، ولقد رأينا كتباً كاملة تُؤلف عن دواوين ومؤلفات تافهة ، وذلك مقابل ثمن بخس دراهم معدودات. هل فعلاً صحيح القول أن مصطلح "ناقد" في العالم العربي منحوتة من كلمتي : ناقم + حاقد ؟!!.
لقد أصبح الــ Critical appraisal أو التقييم النقدي علماً قائماً بذاته في العالم الغربي حيث أصبحت الكتابة صناعة ضخمة تُصرف عليها الملايين ، وأصبحت الاحترافية في الكتابة أو الـ Professionalism هي مقياس النجاح ، وأصبح للنقد أدوات متطورة وفعالة ، فالنقد فعال وشديد لحد القسوة ، ولكنه في نفس الوقت يحافظ على احترافيته ونزاهته ، ويستند على أسس وقواعد علمية معترف بها ، ومتفق عليها ، للإرتقاء بسقف الحوار إلى أعلى المستويات ، وبذلك ينتهى كل حوار إلى المرحلة المرجوة منه ؛ ألا وهي مرحلة الفعل...مرحلة التغيير. إن برنامجاً حوارياً واحداً في قناة البي بي سي ، مثل برنامج HARDtalk ، يقدم للمشاهد بشكل محترف حلقات مستمرة تتناول قضايا ومواضيع مهمة ، ويستضيف شخصيات فاعلة يتم التحاور معها بشكل عميق ومفصل ، وتطرح فيه وجهات النظر بدون قيود أو محاذير ، ويبين لي – كمواطن عربي- مدى زيف وبدائية ما تقدمه لنا الفضائيات العربية على أنه برامج حوارية ، وفي الحقيقة أن كل شيء مُعد ومرسوم مسبقاً ليظهر في شكل مسرحية يعتقد مؤلفوها أنها مقنعة ، ولكن الحقيقة أنها مسرحية مكررة وفاشلة ، لهذا فقد فقدت هذه البرامج مصداقيتها وتأثيرها ، ربما لهذا أصبح بعضها يلجأ إلى التهويل والتضخيم والفرقعات الإعلامية لضمان استمرارها ، وهذا كله يأتي على حساب الحرفية والمصداقية .
وفي القرن الواحد والعشرين، عصر الانترنت ، انتقل الاختلاف على الطريقة العربية إلى بعد آخر مستغلاً الانتشار السريع والمتاح للمعلومة ، فقد أصبح يحمل نكهة الفضائحية والضرب تحت الحزام ، خصوصاً بعد أن أكتشف الكائن العربي اختراع الاسماء المستعارة التي أصبح يستخدمها الكثيرون من المرضى والموتورين لإطلاق الرصاص باتجاه أي كاتب يختلف معهم في معتقداتهم وقناعاتهم ، خصوصاً لو كانت كتاباته مبنية على حجج راسخة ، فتكون الاسماء المستعارة هي الحل السحري لمهاجمة الكاتب- الذي يعتبر خصماً في هذه الحالة- وإرهاقه ، وذلك عن طريق الانحدار بالخلاف إلى مستويات هابطة أخلاقياً وفكرياً دون تحمل أية مسؤولية أو تبعات ، ولقد اطلعنا على الكثير من المقالات المنشورة في مواقع الإنترنت ، والتي ترك فيها المعلقون "الأشباح" موضوع المقال أو التقرير؛ وتناولوا شخص الكاتب بالسب والنقد والتجريح ، بحيث أصبحت صفات الفساد الإخلاقي أو المالي ، أو العمالة والتخوين ، صفاتاً مجانية يتكرم "المستعارون" بمنحها لكل كاتب يختلف معهم في الرأي .
مازلنا- مع الأسف الشديد- لا نفرق بين الذاتي والموضوعي ، وبين الشخصي والعام ، ولا أعتقد أننا سنخرج من هذا النفق المعتم قريباً ، فلا شيء يبشر بذلك ، بل أن كل ما نراه لا يتعدى كونه مشاهد خادعة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً ، ولكن ليس من الصعب على الإنسان الواعي أن يكتشف بأن هناك- دائماً- شيئاً ما يُدبّر بليل ، وأن وراء الأكمة ما وراءها .
وفي النهاية ، فإن كل إنسان عربي يدفعه حظه العاثر للإصابة بداء الكتابة مطلوب منه أن يكون خبيراً في لوغاريثمات المصالح وتشابكها ، وفي بورصة التجاذبات السياسية ، وذلك بشكل يومي ، لكيلا يقع في المحظور، كما أن عليه أن يكتب ما يتماشى مع الجو العام ومع النمط السائد ، وله كل الحق بعد ذلك أن يجادل ويختلف ، ولكن بشكل مهذب وبصوت خافت ، وبذلك لا يفسد للود قضية .

إستراحة محارب !.. ولكن كيف يستريح المحارب والمعركة لم تضع أوزارها ، ولم ينقشع غبارها ، هو لم ينتصر فيقرع الأنخاب ، ولم ينهزم فيجر أذيال الخيبة ، بل هو منذ الأزل في منطقة الـ "بين بين" . الله كم يتمنى لهذه الحرب أن تنتهي ، ولكن شيئا ما بداخله يخيفه من ذلك ، فيشحذ همته وما تبقى من فتات عزيمة ليعود إلى الجبهة من جديد .
يحدث أحياناً أن يكون منهمكاً في خضم إحدى معاركه فيتذكر (ثربانتس) وروايته المجنونة (دون كيخوته) ، فيشعر بالقهر وباليأس من هذا الصراع الأبدي ، ولماذا اُختير هو بالذات دوناً عن العالمين ليقاتل الأشباح نيابة عن التائهين . أحياناً يشعر بأنه شخصية وهمية في لعبة (نتيندو) مملة يتسلى بها مجموعة من المراهقين الأشرار الذين أرهقوا الشيطان نفسه بألعابهم العدوانية ومزاحهم المفترس الضال . "اذهبوا الى الجحيم" يقول مخاطباً أعداءه الذين كانوا حتى وقت قريب أصدقاء مفخخين ، " اذهبوا إلى الجحيم...انتحروا او اختاروا أي موت رحيم يليق بجبنكم وخزيكم ...المهم ألا تموتوا إلا بعيدًا بعيدًا ، وألا تتركوا شواهد على قبوركم فلن يزورها إلا الغربان وكلاب الطريق".
الأفق تغطيه الأسلاك الشائكة ، والأرض مليئة بالخنادق ، ومن بعيد-أو ربما عميقاً في داخله- ترتفع أصوات انفجارات ، ولكن على الرغم من هذا الهرج ، وعلى الرغم من شراسة وعدوانية هذا العالم المتجمع حول لحظة مجنونة ؛ يجد المحارب فرصة لإشعال سيجارة هي كل ما يمكنه فعله ليشعر بمرور الوقت ، وبأنه لم يقع أسيراً لمشهد شيطاني عابث يكرره الأبد...إلى الأبد .
يتثاءب القدر بعد أن ملّ هذا المحارب "الزئبقي" ، ومعاركه "القعقعية" مع أشباح بدائية فرت من كوابيس طفل محروم من الشعور بالأمان ، وانقضّت عليه بدون أية مبررات واضحة ، ولكن كيف له أن يتوقع من أشباح أن تكون منطقية أو مؤدبة ، فهي في النهاية أشباح مهمتها إخافة الضعفاء والجبناء ، ولكنه حتماً ليس منهم ، أي الجبناء ، ربما يقبل أن يتحول إلى شبح أو غولة أو عفريت أو شيطان شيشة ؛ ولكنه لا يقبل أبداً بأن يوصف بالجبن ، أو على الأقل هذا ما يظنه في نفسه .
الترقب هو سيد الموقف غالباً مع حركة بندولية من الشد والجذب ، فالحركة مهمة جداً لاستمرارية المشهد حتى لو كان عبثياً . ليس مهماً نوع تلك الحركة أو قوتها أو اتجاهها ؛ فالمهم هو وجودها المجرد ليواصل المحارب لعبته ، فهي تعطي قيمة للمشهد ، والمشهد يعطيه شعوراً سادياً لذيذاً يكون فيه هو البطل الوحيد ، حيث يقوم بتصفية حساباته مع كائنات ماضوية بائسة ، وأشباح مهرجة حمقاء ارتضت أن تكون كومبارسات في معركة افتراضية مبتذلة .
تُرى هل ينتصر؟ ...هو نفسه لا يتمنى ذلك ، كما لا يتمنى الهزيمة ، بل يريد أن يبقى معلّقاً في المنتصف ، فمنذ أن فقد الشعور بالزمن أصبح الترقب بالنسبة له وسيلة للتعويض ، ومنذ أن فقد وعيه بالمكان صار هذا البرزخ براحاً لانهائياً يُشعره بالتحرر والانطلاق نحو المجهول ! ؛ المجهول الذي يخشاه أعداؤه فلا يلجونه إلا عبر لعبة (النتيندو) ، أو عبر كوابيس طفل محروم .

الصداقة لها ذاكرة ضعيفة مقارنة بالعداوة التي تتسم بذاكرة أبدية ، وهذا الكلام ينسحب على الحب والكره .
***********
العالم يتغير ويتطور ، وكذلك مجتمعنا ، فبعد مقولة " قل لي من رفاقك أقل لك من أنت " أصبحت نؤمن بمقولة " قل لي ما نوع سيارتك أقل لك من أنت " !.
***********
ولأن العالم يتطور ، فالعلاقات الإنسانية تتطور أيضاً ، فهي أيضاً دخلت عصر العولمة / الديجيتل : فالسلام الحار باليدين تحول- أو تطور- إلى سلام بالحواجب ، وجمل الترحيب الحميمية تطورت إلى " شج " ، واللهفة إلى اللقاء والحديث تطورت إلى رسالة مبسترة بالموبايل أو الإيميل . الله كم تستفزني وتغيظني الرسائل التي بدأ يتداولها الليبيون في الأعياد عبر هواتفهم النقالة ، والتي أصبحت تحتوي على جُمل وأبيات شعر خليجية ممجوجة ومكررة ، ولا تمتُّ لنا بصلة ، حيث يقوم شخص ما بنسخها من أحد المنتديات الخليجية ، ثم يقوم بإرسالها إلى عشرات من معارفه ، وكل واحد من هؤلاء العشرات يتكرم ويقوم بتمريرها إلى عشرات آخرين ...وهكذا إلى مالا نهاية . وفي نفس السياق ، فإن عدد المحلات التي تبيع الملابس الخليجية في طرابلس قد تكاثر بطريقة هستيرية تدعو للتوقف عندها وتحليل أسبابها .
**********
ومما يثير الاستغراب والدهشة أيضاً أن المواطن الليبي لا يتذكر أهمية الوقت إلا عندما يقف في "السيمافرو" ؛ فبمجرد أن يتغير الضوء من الأحمر إلى الأخضر تجد أن منبهات السيارات- وفي أقل من ثانية- قد ارتفعت في وقت واحد وكأن سائقي تلك السيارات يحملون الثلج ! . الحقيقة أن بعض السائقين الذين يؤمنون بالأمر الواقع ، وأن لكل أجل كتاب ، لا يقفون أصلاً في الإشارة الحمراء . وفي شهر رمضان يصبح هذا الأمر أكثر خطورة ، وخصوصاً في وقت الفطور ، فمن أجل "سبسي" أو " بوريكة سخونة " يمكن أن يفعل بعض السائقين المتهورين أشياءً أقل ما يمكن أن نصفها به أنها جنونية .
**********
أحياناً أتمنى أن تكون " ميزة إظهار رقم المتصل " في الهواتف النقالة لم تُخترع ولم تُوجد أصلاً ؛ فلقد أثبتنا أننا نستخدمها بشكل سيء جداً ، فقد أصبحت وسيلة للتهرب والتوزيع والتجاهل ، فمن منا لم يتعرض لموقف محرج قام فيه بالاتصال بشخص ما- ربما للسؤال عنه وعن أحواله- ، ولكن ذلك الشخص لم يرد عليه ، وعندما اتصل به مرة ثانية وجد الهاتف مقفلاً . هناك بالتأكيد من لديه عذر مقنع في عدم الرد ، ولكن هناك أيضاً اختراع إعادة الإتصال لاحقاً . يبدو أن بعض الناس يشعرون بالأهمية عندما يتجاهلون الآخرين فلا يكثرون لهم ولا يردون على مكالماتهم ، ولست في حاجة للقول بأنهم إما أن يكونوا مرضى أو " مصلحجية" ، وفي الحالتين يدعون للشفقة والرثاء .
***********
علينا أن نعترف بأننا نستخدم التكنولوجيا – في كثير من الأحيان- بشكل سيء جداً ، ومن ذلك أن التكنولوجيا قد أثرت بشكل سلبي على علاقاتنا الإجتماعية ، وعلى موروثنا الثقافي والأخلاقي الذي هو أساس إنسانيتنا .

