ملف التعريف
أرشيف أمواج
-
▼
2010
(44)
-
◄
أكتوبر
(9)
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-8 (من وردةٍ لوردةٍ أط...
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-7 (هنا لندن)
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-6 (لوسي لا تتكلم) !
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-5...(حدهم بنت جونسون)...
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-4
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-3
- العجوز الشقراء التي لا تحبني-2
- العجوز الشقراء التي لا تحبني
- الطريق إلى السماء
-
◄
أكتوبر
(9)
مواقع إلكترونية
- إتحاد المدونين الليبيين
- إذاعة المدونين المسموعة
- الجزيرة نت
- العربية نت
- المكتبة الليبية
- بي بي سي بالعربي
- صحيفة أويا
- صحيفة قورينا
- كل المدونات الليبية
- مرصد المدونات الليبية
- معاني الأسماء العربية
- مكتبة التراث الليبي
- موقع الأدباء الليبيين(بلد الطيوب)
- موقع الباحث العربي
- موقع الفيس بوك
- موقع الويكيبيديا للمعلومات
- موقع اليوتيوب


أختار أقل الحلول ضرراً لجيبي؛ فأطلب من (مارجريت) أن تسمح لي بأن آخذ (لوسي) في نزهة. تتفاجأ من طلبي قائلة :" ما الذي جعلك تطلب هذا الشيء أيها الولد الغريب، فمنذ أن جئت للإقامة هنا لم أرك مطلقاً تداعب لوسي. لعلك تفكر في خطفها ؟ "
أرد ضاحكاً : " نعم وسأفعل مثل قراصنة الصومال. سأتصل بك وأطلب مليون باوند فدية...هههه"
فترد قائلة :" سأوافق بشرط أن تقسط المبلغ على ثلاثين سنة بدون فائدة...هههههه"، ثم تتغير نبرة صوتها لتصبح جدية وهي تقول : " سأسمح لك بأخذها في نزهة، ولكن عليك أن تكون رقيقاً جداً في تعاملك معها؛ فلوسي حساسة جداً، كما يتوجب عليك أن تعطيها كل اهتمامك وتتركها تلعب وتركض بحرية، وإذا ما حدث وقررت أن "تعملها" فعليك أن تقوم بجمع فضلاتها في ورقة وتلقيها في سلة المهملات المخصصة لذلك...." . تستمر (مارجريت) في سرد وصاياها العشر حول (لوسي) لدرجة أعطتني الاحساس بأنها تتحدث عن طفل في الثالثة من عمره، فلم ينقصها سوى أن تطلب مني أن آخذها لمدينة الملاهي !!!.
أسأل ساخراً :" وهل هناك طعام معين تتناوله ؟"
فتجيب مارجريت :" لوسي عادة لا تأكل خارج البيت، فالأكل في الاماكن العامة يسبب لها مغصاً وامساكاً، فهي متعودة على طعام معين أشتريه لها من محلات "ساينسبري" .
أتذكر أطفال المجاعة في أفريقيا وآسيا، فتمر في مخيلتي مئات الصور لأطفال بائسين تحولوا إلى هياكل عظمية من شدة الجوع، أطفال هم ضحايا الجفاف والفقر والحروب الأهلية التي يستمتع سدنتها ومهندسوها بتناول الكافيار في أفخر مطاعم باريس وجنيف. هؤلاء الأطفال ليس لديهم ما يسد رمقهم سوى ما تجود به عليهم بعض منظمات الإغاثة الدولية، وليس لديهم أدني مقومات الحياة الطبيعية، فالمرض والجوع يقف حائلاً بينهم وبين أن يعيشوا كأطفال طبيعين يركضون ويلعبون ويصيحون. هؤلاء الأطفال ليس لديهم ترف الكلاب في أوربا وأمريكا . يبدو أنني لابد وأن أذكر نفسي من حين لآخر بأنني قد قررت أن أصبح كائناً آنياً يفكر فقط فيما تقتضيه لحظته، بعيداً عن متاهات التفكير السلبي، واجترار هموم العالم .
أكتشف وأنا أتجول صحبة (لوسي) أنها مشهورة جداً في الحي، فمعظم من مررنا بهم قاموا بمناداتها ومداعبتها. لم يزعجني أنهم كانوا يحيون الكلبة ويتحدثون لها دون أي اهتمام بي وكأنني لم أكن موجوداً، ولكنني شعرت بالقهر عندما اقتربت منها فتاة شقراء صارخة الجمال، في العشرينات من عمرها تفوح منها رائحة كل زهور الأرض، وقامت بمداعبتها دون أي اعتبار لوجودي، بل لم تكلف نفسها عناء النظر إلي. قلت في نفسي يبدو أن (مارجريت) كانت محقة عندما تمنت أن تكون كلباً، فمن لايتمنى أن يصبح كلباً ليحضى باهتمام ملكة جمال كهذه ! . أنفض كل هذه افكار عني، لأستجمع بعضاً من بأسي فأقول محاولاً لفت انتباه الفتاة لوجودي :
؟ She is very charming ..isn't she
تتوقف الفتاة عن مداعبة (لوسي)، وتنظر إلي قائلة :
؟ Yes indeed .Who are you?. Are you the dog walker

ليس هنالك بداية واضحة . البداية كانت حلماً، والحلم ليس له بداية محددة . البداية دائماً ما تكون صعبة؛ ولكن الأصعب هو تذكرها. ربما كانت هناك مجموعة من البدايات التي قد يكون آخرها يوم جئت حاملاً حقيبتي، ذات مساء شتوي بارد؛ لأسكن عند هذه العجوز. لا أعلم لماذا أشعر في داخلي أن بيني وبينها رابطة خفية، وتاريخ طويل مشترك، فكلما فكرت في أول لقاء بيننا تطفو على السطح ذكريات وتواريخ عدة : الانتداب البريطاني لليبيا بعد انتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الثانية (كان والدي يردد باستمرار أنه رأي وعايش كل أنواع المستعمرين الايطالي والالماني والبريطاني، وكان يؤكد أن الاستعمار البريطاني أفضلهم وأكثرهم إنسانية !!!، ولكنه كان يستدرك أن الاحتلال بغيض ومرفوض حتى لو كان من الملائكة !!) . أتذكر تاريخ طويل من الشد والجذب والصراع : النكبة...النكسة...عدوان 1986...عاصفة الصحراء...قضية لوكيربي والحصار...غزو العراق...بل ويعود بي التاريخ إلى (سبتيموس سيفيروس) الامبراطور الروماني "الليبي" الذي بلغ به الطموح أن وصل إلى هذه الأراضي ليحكمها ويموت فيها .
إن بداية معرفتي وعلاقتي بهذه العجوز لم يكن يوم التقيتها؛ بل ربما يعود لفترة سابقة يوم كنت طالباً بائساً في كلية الطب في طرابلس، و كانت لندن بالنسبة لي كلمة سحرية وحلماً بعيد المنال. لم أكن الوحيد الذي يحمل ذلك الحلم ، بل كان يشاركني فيه الكثير ممن كانوا يرتدون المعاطف البيضاء معتقدين بأنهم استثنائيون وأن مكانهم الطبيعي هنا...في لندن !!!. كنا نعتقد- لمجرد إلمامنا ببعض المصطلحات باللغة الإنجليزية- أننا مثقفون وأننا متفوقون على جيلنا، وأننا يجب أن نعيش في مكان يقدر إمكانياتنا ! . لست ممتناً لتلك الفترة "البيضاء" من حياتي، ولكنني ممتن للندن التي أيقظتني من أحلامي بقسوة لأكتشف بأننا لم نكن استثنائيين ، وأنها ليست الجنة الموعودة !!!. لقد كان علي أن أنتظر أكثر من عشر سنوات لأكتشف ذلك دفعة واحدة، وليصطدم إدراكي بأكبر تحدٍ له على الإطلاق : الحقيقة كما هي.. عارية.. واضحة..صارخة.. كما لم أتعود أن أراها، أو- على الأقل- أن أعترف بها ! .
لماذا كلما نرتبك نحاول البحث عن بداية للفوضى التي تعترينا ؟. لماذا يجب أن تكون هناك بداية أصلاً؟ . سأنفض كل هذه الأفكار السلبية عني، وسأتحول إلى كائن آني/هُنائي، وسأطبق مصطلحاً اخترعه الروائي (عبدالرحمن منيف) منذ سنوات طويلة : "الآن...هنا ". منذ الغد سأكون أقل تعقيداً في تعاملي مع لندن، ومع (مارجريت)، وربما أدعوها لتناول العشاء في إحدى مطاعم (كوفنت جاردن) أو (ساوث كينزينغتون)- ( طبعاً سيدفع كل منا حسابه بنفسه، وهذه إحدى قواعد اللعبة في لندن ) ، أو ربما أهدي لها شيئاً بمناسبة أي شيء ( في الغالب ستكون باقة ورد فالإنجليز لا يكترثون للهدايا الغالية )، أو لعلي أطلب منها أن تسمح لي أن آخذ (لوسي) في نزهة ( طبعاً سأتمنى ألا ترافقنا لكيلا تصبح النزهة بطيئة كسباق السلاحف). أتمنى ألا تحرجني هذه العجوز وتطلب مني أن أسأل (لوسي) إن كانت ستوافق على الخروج معي... والله تفعلها (مارجريت) !...(يتبع)
